أيمن الصفدي

مآرب شارون

تم نشره في الاثنين 18 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

يبدو ان رئيس الوزراء الاسرائيلي اريل شارون يرفض ان يخرج من عنجهيةٍ شكَّلته متطرفاً يرى في العنف والقتل مخرجاً من المأزق السياسي الامني الاخلاقي الحياتي الوجودي الذي رافق زرع اسرائيل في قلب العالم العربي.

وواضح ان شارون لم يتعلم الكثير من مآلات الاحداث منذ طرد اليهود الفلسطينيين من ارضهم واستولوا على بيوتهم وبنوا دولتهم في ارض لم تكن يوماً لهم, مستندين الى قوتهم ومن اسندهم وضعف خصمهم ومن حالفه.

يتحمل المجتمع الاسرائيلي برمته مسؤولية تدهور الاوضاع في الاراضي الفلسطينية المحتلة. فهذا المجتمع هو الذي قتل اسحاق رابين بعد ان ادرك حتمية المضي تجاه تسوية تضمن الحد الادنى من حقوق الفلسطينيين. وهذا المجتمع هو الذي انتخب نتينياهو وهو الذي اعطى شارون وسياساته العنصرية شرعية صناديق الاقتراع.

لم يستطع المجتمع الاسرائيلي رغم السنين ورغم وضوح الرسالة ادراك ان القوة لا تستطيع ان تقتل تعطش شعب لوطن ومستقبل. فطالما بقي الفلسطينيون شعباً, سيبقى نضالهم من اجل الاستقلال حياً.

ركب شارون موجة محاربة الارهاب ليعظم مكاسبه على الارض من خلال تصوير الفلسطينيين ارهابيين, مساوياً شرعية سعيهم لتحقيق استقلالهم بعبثية القاعدة وانخراطها في حرب ازلية لا هدف لها ولا رؤية تؤطرها.

وكان ذلك قصر نظر وانتهازية سياسية فاقمت أسباب فشل مسيرة السلام التي عَوّل عليها اسرائيليون وعرب في ايجاد صيغة للتعايش ترتكز الى براغماتية حدودها تنازلات متبادلة مدروسةٌ وآثارُها.

ليس صحيحاً ان مسيرة السلام تعثرت لاخطاء تكتيكية. الفشل مرده ردة اسرائيلية عن تلبية شروط انضاج العملية السلمية. اما اسباب الردة فهي عقائدية اسرائيلية لم تبتعد كثيرا عن موقف جولدا مائير الرافض الاعتراف بأن في فلسطين شعبا يستحق الحياة.

صحيح ان في المجتمع الاسرائيلي خلايا فكرية تعي ان امن اسرائيل اساسه امن الفلسطينيين واستقرار اسرائيل شرطه تلبية حقوق الفلسطينيين الامنية والحياتية والسياسية. لكن تلك مازالت خلايا لا أثر سياسيا واضحا لها في صياغة السياسة الاسرائيلية.

مسيرة السلام في الشرق الاوسط قتلتها استراتيجية اسرائيل الاستعمارية العنصرية التي تريد الارض والسلام في آن. الاخطاء التكتيكية للقيادات الفلسطينية سهلت لشارون مهمته, لكنها لم تكوّنها. هذا لا يبرر, بالطبع, المزيد من الاخطاء الفلسطينية. والخطأ الاكبر كان في اعطاء شارون حرية اختيار المعركة وادواتها, حين عُسكِرت الانتفاضة في خطوة كانت نتائجها محسومة لانعدام توازن القوة.

وها هي القوى الفلسطينية تثلج قلب شارون اذ تتهاوى الى صراع داخلي وتعطي عدوها مبرر البطش بالمزيد من الفلسطينيين وتدمير ما تبقى من بنية تحتية في غزة.

سيستمر شارون يتقدم اتجاه تحقيق مآربه اذا لم يُعِد الفلسطينيون تعريف ادوات المعركة, فيقدموا النضال السياسي على الفعل العسكري. فشارون لا بد سيخسر المعركة السياسية لأنه لا يملك ما يقول على طاولة مفاوضات هدفها تحقيق السلام.

بيد أن الطريق الى طاولة المفاوضات تلك تملؤها عوائق يسهل الفلسطينيون هدف شارون في زيادتها اذا لم يوقفوا اقتتالهم الداخلي, ويترفعوا عن المزايدات الشعبوية ويمضوا في بناء دولتهم. والبداية تكون باحترام مؤسسات هذه الدولة وقرارات قيادتها المنتخبة.

التعليق