محمد أبو رمان

حديث الإصلاح والحلقة المفقودة

تم نشره في الاثنين 18 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

  تعددت عناوين الإصلاح ومبادراته وشعاراته, وطغت على الجدل السياسي المحلي منذ حكومة فيصل الفايز إلى حكومة عدنان بدران التي جعلت الإصلاح السياسي مفتاح برنامجها القادم. وشهدت الحياة السياسية انفتاحا جديدا غير معهود بين دائرة المخابرات العامة ومؤسسات المجتمع المدني لضبط العلاقة بين الجانبين الأمني والسياسي من خلال صيغة واضحة تحدد مساحة كل منهما، وقد بدا واضحا للجميع وجود رغبة ومبادرة ملكية في تسريع وتيرة الإصلاح والمضي قدما في تجديد الدماء في الطبقة السياسية الأردنية.

  إلاّ أن حرارة الحديث عن الإصلاح السياسي بين السياسيين والكتاب والمثقفين لم تنتقل إلى الشارع الأردني الذي اصطلى بحرارة أخرى هي الزيادة في أسعار المحروقات ومن المتوقع أن تنعكس على مواد تموينية وأساسية مع تصريحات رسمية أن هذه الزيادة ليست إلا مرحلة أولى لزيادة أخرى في الأسعار وصولا إلى التخلي الكامل عن دعم الحكومة للمحروقات.  الحكومة بادرت من جهتها بإقناع الشارع بضرورة رفع الأسعار من خلال عدة قرارات تقوم على منع التسيب في المال العام وضبط النفقات الزائدة في خزينة الدولة، وترافق ذلك مع تقديم الحكومة لمشروع قانون لتشكيل هيئة لمكافحة الفساد ليعرض على مجلس النواب. إلا أن  المزاج العام لا يزال متخوفا أن تكون قرارات الحكومة السابقة آنية مرتبطة بحديث موسمي عن الإصلاح السياسي, ثم ينفض السامر فيجد المواطن نفسه أمام حقيقة واحدة هي ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية، فيبقى يتحمل وحده عبء الموازنة العامة المثقلة بمدفوعات أولى بإعادة النظر من جيب المواطن الذي بالكاد يفي باستحقاقات الحياة اليومية.

  المزاج الشعبي العام المرتبط بالهموم الاقتصادية يظهر بوضوح حجم المسافة الفاصلة بين النخب السياسية والناس، حتى مقالات الكتاب والتحليلات السياسية ونشاط أحزاب المعارضة لا تجد لها انعكاسا واضحا على الشارع. وتعود هذه الفجوة -بالدرجة الأولى- إلى عدم قناعة المواطن بجدية ما يطرح حول الإصلاح وإمكانيته من ناحية، وعدم الربط بين الإصلاح وتحسين شروط الحياة اليومية للناس من ناحية أخرى.

  في هذا السياق يبدو النموذج المصري الجديد "حركة كفاية" حالة متقدمة في العالم العربي، إذ انطلقت من المجتمع المدني والأهلي واستندت إلى الشباب وانضم إليهم عدد من المثقفين والكتاب والسياسيين وتتسع قاعدتها الاجتماعية يوما بيوم لتشمل أساتذة الجامعات والأطباء والقضاة والمحامين وغيرهم.

  وفي الوقت الذي يعترف فيه ناشطون سياسيون وإعلاميون مصريون بأن القاعدة الشعبية الداعمة لهم ما زالت ضعيفة وصغيرة وغير متحركة إلا أنهم يجعلون ذلك تحديا حقيقيا لهم, إذ بدأوا يفكرون بالطريقة التي يحركون فيها المياه الراكدة ويدفعون الناس إلى دعم مطالبهم, وذلك ببناء قناعة لدى الرأي العام بأن تحقيق مطالب الإصلاح السياسي سيعود بالفائدة الكبيرة على المواطن وحياته اليومية. ونجم عن إدراك هذا التحدي التحرك باتجاه الشارع المصري وبناء خطاب اجتماعي وثقافي يخاطب الناس في موازاة مطالبة السلطة بالإصلاح. وعلى الرغم أن التوجه نحو الشارع ما زال في بدايته إلا أنه يمثل الخطوة الأولى في بناء القاعدة الاجتماعية المطلوبة للإصلاح.

  "الملاحظة المصرية" حول دور المجتمع الأهلي والمدني في الإصلاح جوهرية في إدراك أهمية تجسير الفجوة بين ما يطرح من شعارات وعناوين الإصلاح وبين المواطنين والفئات الاجتماعية المختلفة, وإلاّ سيبقى الحديث عن الإصلاح يدور في حلقة مفرغة بلا قيمة عملية حقيقية. فالتحدي المطروح أمام القوى والمثقفين والكتاب وربما الحكومة هو إقناع الشارع بجدية الإصلاح وأهميته وانعكاسه على حياته اليومية، عندها سيتحول مشروع قانون تشكيل هيئة لمكافحة الفساد إلى حالة وطنية وشعبية تحارب الفساد في صوره الثقافية والعملية!.

التعليق