د.باسم الطويسي

الإمبراطورية حائرة ومعزولة

تم نشره في الأحد 17 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

    منذ الرابع من تموز، وعلى مدار أيام قليلة ماضية، احتفلت الولايات المتحدة بإحياء ذكرى يوم الاستقلال. وبعد مرور اكثر من قرنين وربع القرن على ذلك اليوم، تبدو الولايات المتحدة متربعة على عرش كل شيء في العالم، ولم تعد تخشى من شيء اكثر من المجهول القادم والغامض.

     وبينما تأخذ احتفالات يوم الاستقلال طابعها الرسمي والشعبي بإحياء تقاليد الدفاع عن الحرية التي جاء بها الاتحاد، وأنهت أعوام الحرب الأهلية المريرة، تظهر إشارات واضحة في الخطاب الجديد لتيارات فكرية وقوى سياسية وفي استطلاعات الرأي العام، ولدى أطراف داخل الإدارة الاتحادية ذاتها، تفصح عن حنين للعودة الى زمن عزلة الولايات المتحدة والانكفاء نحو الداخل، وهو التيار الذي بدأ يتصاعد بعد أحداث 11 أيلول. فحينها تم تحميله على الجرعة العاطفية والانفعالية القوية التي حركت المجتمع السياسي والنخب السياسية، قبل الشعب الأميركي ذاته.

     أما احتفالات تموز هذا العام بالاستقلال، فقد سيطر عليها بامتياز مأزق الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. وقد جاءت إشارات أكثر عمقا هذه المرة حول الثمن الذي يدفعه الشعب الأميركي جراء سياسات إدارته على الصعيد العالمي، والتي ورطته في حروب خاسرة غير مبررة وغير واضحة في أهدافها واستراتيجياتها، الأمر الذي عكسته استطلاعات الرأي العام لاول مرة بأغلبية وصلت الى 56% غير راضية عن تلك السياسات، ليعود الحنين للعزلة مجددا وبقوة.

     هنالك مجالان أساسيان لفرضيات العزلة، التي تبدو غير منطقية، او التي لا يتوفر لها أي تبرير سياسي واستراتيجي في زمن العولمة التي تقودها الولايات المتحدة نحو أمركة العالم. المجال الأول يظهر في سياسات الولايات المتحدة نفسها، وبالتحديد في تناقض ممارسة القوة ضمن سياق سلوكها الكوني او الإمبراطوري الشمولي. فعلى الرغم من الرغبة في إدارة العالم ضمن استراتيجية الشراكة وبناء التحالفات، والرغبة في الحفاظ على ديمومة حالة الانضباط الدولي خلفها، إلا أن أميركا تنزع نحو سياسات خارج سياق التوافق الدولي العام، مما يجعلها أحيانا معزولة ووحيدة وغير قادرة على ضبط العالم خلفها، كما حدث مؤخرا وقبل أيام في قمة الثماني الكبار حول أحد البنود الأساسية المتعلقة باتفاقية (كويوتو) وارتفاع درجة حرارة الأرض، او سلوكها في الامم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية. وهناك أمثلة عديدة تدل على السلوك الإمبراطوري الذي يميل نحو العزلة، على الرغم من ادعاء استراتيجية بناء التحالفات كما هو الحال في احتلال العراق. أما المجال الآخر، فهو السلوك الدولي المضاد، الذي بات يأخذ مسافة من سياسات الولايات المتحدة، حتى من قبل حلفائها التقليديين.

    تجد هذه المجالات المحدودة لممارسة عزلة القوة العظمى بيئة مناسبة بين النخب الأميركية التي تؤرقها مقولات المؤرخ الأميركي بول كيندي، صاحب الكتاب المعروف "صعود وسقوط القوى العظمى"، الذي طرح لأول مرة في العام 1975 موضوع اضمحلال القوة الأميركية، منطلقا من الخبرة التاريخية التي تظهر أنه كلما ازدادت الالتزامات الاستراتيجية للدولة العظمى مقارنة بإمكاناتها الاقتصادية، فإنها تغدو معرضة للانحدار والسقوط بالمعنى التاريخي للكلمة؛ أي الاضمحلال التدريجي لقوتها. وقد أثبت كيندي مقولته باختبارها على العديد من الإمبراطوريات التي سبق لها أن صعدت ومارست نفوذها وتوسعها ثم ما لبثت أن بدأت بالتفكك والانحدار.

     واليوم تعود هذه المحاججة للظهور بقوة في أجواء التوسع الاستعماري للولايات المتحدة، وازدياد عسكرة العالم، وبالتالي ازدياد الكلف الاقتصادية والاستراتيجية.

     فالمشهد العراقي اليوم زاد من حدة استقطاب تيار العزلة، وأضاف مبررات جديدة لتداعيات أحداث أيلول. والمراقب للأحداث يدرك أن الرغبة في توفير أمن أجيال قادمة من الأميركيين وازدهارهم تقودها اتجاهات في السياسة الأميركية تميل نحو العزلة، إذ إن فكرة انحدار القوة العظمى لدى الدوائر العلمية والاستراتيجية باتت فكرة مقلقة ومطروحة بقوة في الفكر الأميركي الذي ينتج هذه الأيام.

     جاءت حروب الشرق الأوسط الجديدة، حرب الخليج واحتلال العراق وقبلها حرب أفغانستان، لتضع الفرضيات السابقة على المحك التاريخي. فقد أثبتت هذه الحروب ضرورة الاستمرار في بناء القوة واعادة تشكيل المجال الحيوي للردع، مما يقود دائما نحو البحث عن شركاء وتحالفات تتقاسم الكلف وتكسر حدة التركيز في إدارة العالم، والتي تعني شكلا من أشكال العزلة، بينما الهدف الأساسي لاعادة إنتاج مفهوم الشراكة الدولية تحقيق مصالح حيوية، هي تقاسم كلف وفواتير الحروب، إذ جرى توزيع نفقات هذه الحروب بين الحلفاء المتنافسين والمرغمين. لكن خط الانحدار يبقى حاضرا إذا ما نظرنا الى توزيع مغانم تلك الحروب التي احتكرتها القوة العظمى على شكل مصالح استراتيجية وبيع أسلحة واعادة بناء. وفي ضوء هذه التفاعلات، يتم إعادة إنتاج العزلة، التي بدت في أوجها في اكثر من لحظة خلال تداعيات احتلال العراق الأخيرة.

     كان سؤال الأميركيين في يوم الاستقلال يبدأ وينتهي بمطلب الأمن والخوف من المجهول؛ فثمة أسئلة كثيرة وإجابات قليلة حول ما يدور في العالم. ومع هذا، فالمعادلة المرفوضة طرفاها الأمن والعدالة، وهي لا تتفق مع السلوك الإمبراطوري عبر التاريخ؛ فالإمبراطورية تريد أن تبقى خالدة مدى الحياة، أي ديمومة الأمن والاستقرار الداخلي، بينما شعوب العالم تريد العدالة وإزالة الظلم التاريخي الذي لحق بها، وتريد توزيعا عادلا للموارد في العالم، كما تريد حقها في ثرواتها ومواردها.  

   الإمبراطورية تريد أن تبقى مزدهرة، وأن تزيد من ثرواتها، وهذا يتطلب مجالا اقتصاديا واسعا، مزودا بطرق مواصلات ومنافذ وجغرافيا مباحة.  

     في يوم الاستقلال الأميركي بدت نزعة العسكرة واضحة، ولعلها الأهم في تعبيرات السلوك الإمبراطوري للدولة العظمى، كرغبة واضحة في الاطمئنان لضمانات القوة في ضوء انتشار عسكري واسع، لكن كل هذا لم يخفِ حيرة وقلقا في مضامين خطاب الرئيس في يوم الاستقلال، وهو يبحث عن كلمات يطمئن بها شعبه الحائر بين احتكار القوة وافتقاد الأمن.

التعليق