جميل النمري

ثورة ثقافية على التطرف الاصولي

تم نشره في السبت 16 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

آخر استطلاع للرأي نشر أول من أمس، ونقلته صحيفة "واشنطن بوست" (14/7/2005) يقول ان التأييد للتفجيرات الانتحارية تراجع بصورة ملموسة في العالم الاسلامي، وكذلك شعبية بن لادن. الاستطلاع شمل 6 دول اسلامية في آسيا والشرق الاوسط وشمال افريقيا. والخبر لم ينقل التفاصيل، لكنني فوجئت ان الاردن بين هذه الدول مازال يحافظ على أعلى معدّل من التأييد لـ"بن لادن" (60%)، بينما هي 7% في تركيا و2% فقط في لبنان.

الاستطلاع انجز قبل تفجيرات لندن، التي قد لا تغيّر كثيرا في هذه النسب، لكنها تزودنا بمعطيات خطيرة تؤثر على ما هو سائد من نظريات حول العمليات الانتحارية، وأكثرها شيوعا تلك التي ترى في القهر الاقتصادي-الاجتماعي اساسا لتفاقم هذه الظاهرة.

منذ الكشف عن الطابع الانتحاري لتفجيرات لندن فإن كوابيس جديدة رمت باثقالها على المراقبين والمحللين البريطانيين. فقد ظهر ان هؤلاء الفتية هم من أبناء المجتمع المسلم المحلي، وفي الغالب ليسوا بحالة اقتصاديّة سيئة. وبدأت الصحف تستنطق معارفهم وأقاربهم، فنشرت احداها على الصفحة الاولى صورة جميلة لفتى في العاشرة من أصل باكستاني، سيكون لاحقا احدهم. وحسب بعض الشهادات، كانت علائم التدين الزائد بدأت تظهر على الشباب، الذين أخذوا بالتردد على "زاوية" كانوا يلتقون فيها بشخصيّة اختفت وغادرت البلاد قبل التفجيرات مباشرة. اذن، ثمّة محترفون في استغلال التدين من أجل غسيل دماغ، يهيئ الشباب لهذا المصير، بغض النظر عن الظروف الشخصيّة والمعيشية لهم.

لم يعد ممكنا تحليل ظاهرة الارهاب الاصولي بخلفية واحدة. واذا بدأنا من الاحباط والقهر الاجتماعي والاقتصادي، الى جانب القهر السياسي، فالارهاب يكوّن لنفسه اساسا ثقافيا ومنهجيا لا يعود مرتبطا بشروط حياتية يائسة، أو قهر سياسي وحسب. ومنذ فجر التاريخ، يخوض المضطهدون أو الخاسرون صراعا مع مغالبيهم، لكن ابدا لم تتكرس ظاهرة تمجيد الانتحار بهذه الطريقة! الموت هدف بذاته، مع اي عدد محتمل من الاخرين أو بدونهم. فقد لا يصل الانتحاري الى هدفه المقرر فيفجّر نفسه في أي نقطة، وقد يقتل أو لا يقتل مدنيا آخر معه، وفي العراق شارك احيانا اثنان في سيّارة واحدة! ولابدّ ان الانتحاري يذهب بيقين قاطع انه في طريقه الى الجنّة خلال ثوان. ليست الحياة وانقاذ آخرين وسعادتهم الارضيّة هي قضيته، ولذلك ليس مهما ذهاب ابرياء معه، فهو أصلا الاكثر براءة وطهارة، فلمَ يحرص على حياة آخرين وهو لا يرى الحياة سوى معبر كريه إلى نعيم الاخرة؟!

هذه ثقافة مرعبة في نظرتها للحياة والموت. ولا يكفي التنديد بها، بل نحتاج الى انتفاضة في مواجهتها، كما تقول راغدة درغام في مقالها أمس. وأقرأ هذه الايام المزيد من المقالات المهمومة بتحليل هذا البعد، اذ لم يعد منطقيا الحديث فقط عن مسؤولية السياسات الاميركية. ألم تحارب الشعوب، طوال عقود وبنجاح، الهيمنة الاميركية دون حاجة إلى هذا اللون المرعب والمقيت من التفجيرات الانتحارية العشوائية في أي مكان؟!

ما بين تحميل الولايات المتحدّة المسؤولية عن ظهور هذا الارهاب، أو اعتماد نظرية المؤامرة بوجود جهات مشبوهة وراءه، نتهرب من مسؤولية سياسية وفكرية وأخلاقية للجهاد ضدّ هذا الفكر التكفيري الاسود، حامل راية الموت. وها هي صحافة طهران أمس تروج لنظرية ان أميركا وبريطانيا وراء تفجيرات لندن لتسعير العداء للاسلام، وتبرير الحملة على بلدانه! وبذا نكرر المقولات التي رافقت 11 أيلول، وما كشفته من ذهنية وثقافة مشوشة؛ فقد رأينا تهليلا لتلك الضربة وما انزلته بأميركا، وترويجا في الوقت ذاته لكونها مؤامرة صهيونية امبريالية!

لعل نسبة التأييد المرتفعة في الاردن لزعيم القاعدة ولهذه العمليات يعود الى ان الناس هنا لم تذق بعد ويلات التفجيرات الارهابية، كما في اندونيسيا وتركيا ولبنان من الدول التي شملها الاستطلاع، وأن أقرب التفجيرات إلينا هي مع الاحتلال في فلسطين والعراق... لكن جرس الانذار يدق، ولم يعد مقبولا التقاعس عن ثورة ثقافية من أجل العقلانية والتنوير، وضّد التطرف الجاهلي والتجهيلي.

التعليق