الخروج على الإجماع الفلسطيني

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

الوطنية أو العمل الوطني مفهومان فضفاضان، ويستطيع المرء أن يبرر كل أعماله، مهما كان شكلها، بحجة أنها تصب في مصلحة العمل الوطني. ويزداد الطين بلة إذا كانت المنطلقات أيديولوجية أو ليس لها أي صلة بالواقع، بحيث يختلط الحابل بالنابل، وندفع ثمنا باهظا لغياب الوضوح في المفاهيم.

نعرف أن الهدف الوطني الفلسطيني، كما تفهمه غالبية الجماهير الفلسطينية، هو الاستقلال واقامة دولة وفقا لحدود العام 1967. وتمثل الطموحات باقامة دولة على كل أرض فلسطين التاريخية هدفا غير واقعي، ولا يخدم بتاتا في تسهيل تحقيق الهدف الأول، ولا يمكن النظر إلى التنظيمات الفلسطينية التي تحمل اجندة تتعدى تحرير الارض المحتلة عام 1967 إلا كتنظيمات تعمل خارج هدف الاجماع الفلسطيني.

لو كان هدف الجهاد الاسلامي، على سبيل المثال، هو القضاء على إسرائيل، لسلمنا بأن تخريب عملية السلام، وبما ينسجم وهدف اليمين الاسرائيلي أيضا، هو تكتيك ممتاز. ولو افترضنا جدلا أن كل التنظيمات الفلسطينية تعمل لتحقيق الهدف الأول، فعندها يحق لنا التساؤل: ماذا قدمت لنا العمليات الانتحارية على مدارالسنوات الخمس الأخيرة؟

من الواضح أن هناك مدرستين فلسطينيتين تتنافسان وتختلفان في الاسلوب الامثل لطرد الاحتلال: مدرسة الرئيس عباس التي لا تؤمن بتوظيف العنف، وهي وان لم تحقق لغاية الآن التحرير إلا انها تدفع الأذى عن الشعب الفلسطيني، وتعمل على إحراج حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة. والمدرسة الثانية هي مدرسة تؤمن بالعنف وتوظيف القوة لطرد اسرائيل، في الوقت الذي يؤدي ذلك إلى إضعاف موازين القوى في مواجهة اسرائيل. وهذه المدرسة لم تنجح حتى الآن في اقناعنا بكيف ساهمت العمليات الانتحارية في تحقيق هدف استقلال الشعب الفلسطيني؟! ولا يغيب عن البال انها أخفقت أيضا في ردع اسرائيل، ولم تدفع بالأذى عن الفلسطينيين.

من هنا، يحق للجميع التساؤل عن الهدف من عملية نتانيا؟ هل هي لطرد الاحتلال؟ هل هي لخرق التهدئة من أجل اقدام اسرائيل على تقتيل الفلسطينيين أكثر وأكثر؟ هل هي من أجل وضع نتانيا في نفس خندق لندن؟ هل هي من اجل تحدي الرئيس الفلسطيني ومدرسته؟ هل هي من أجل تقوية اليمين الاسرائيلي المتشدد؟ هل هي للثأر من الاسرائيليين، وبالتالي تقزيم القضية الفلسطينية؟ جميع هذه الاسئلة شرعية.

دون شك، هناك فَلَتان فلسطيني واضح، لا يدل أبدا على ان هذه العناصر يمكن ضبطها في حال اقامة دولة مستقلة، وهذا مؤشر خطير للغاية. وقبل اسبوع فقط، تبرع الزهار بالقول انهم في حماس لا يثقون بالرئيس المنتخب! لكن كيف يمكن الوثوق بالزهار وهو غير منتخب؟! الموضوع برمته بحاجة الى إعادة نظر من قبل الفلسطينيين بالتوازنات الداخلية والمصالح المتناقضة، وإيجاد آلية لحلها قبل ان نلطخ سمعة الشعب الفلسطيي الصامد والمناضل. وهناك فرصة تاريخية، وهي أن الدول الاوروبية بدأت تدرك بعد التفجيرات الارهابية في لندن أن هناك ثمة علاقة قوية بين استمرار الاحتلال الاسرائيلي للأراضي المحتلة والامن الداخلي في المجتمعات الاوروبية.

لقد سببت تصريحات بلير بلبلة وخوفا وهلعا في اسرائيل، لكن، وكالعادة، جاءت العمليات الانتحارية لتذكر العالم بما يتعرض له المدنيون في اسرائيل. وبضربة واحدة تمكنت حركة الجهاد الاسلامي، عن طريق تجنيد طفل في الثامنة عشرة من عمره، من إيجاد نوع من التضامن في المصيبة بين ضحايا لندن والقتلى الاسرائيليين. ويالها من خدمة تقدم لإسرائيل، ولسان حال اسرائيل يقول: "من له أعداء مثل الجهاد الاسلامي لا يعدم الأصدقاء".

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الأردنية

التعليق