ياسر أبو هلالة

حوار الزرقاوي والمقدسي... خطوة باتجاه الاعتدال

تم نشره في الخميس 14 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

ما كان لأحد أن يتابع حوارات أبومصعب الزرقاوي وشيخه أبو محمد المقدسي سواء في بيشاور أم الزرقاء أم سجن سواقة, لكن الثورة المعلوماتية جعلت ذلك ممكنا. بدءا من موقع المقدسي على الإنترنت وصولا إلى حواراته مع الصحافة المرئية والمكتوبة, وفي المقابل كان على الخط أبو مصعب من خلال الشبكة العنكبوتية التي لا يكاد يمر يوم دون ان تنقل خبرا أو تسجيلا مصورا أو صوتيا  للقاعدة وما ارتبط بها أو سار على خطها من جماعات.

هذا الانفجار المعرفي قد يكون في مصلحة الاعتدال, فأكثر الناس يتطرفون عندما تكون أفكارهم سرية, في الزنازين والسراديب والمخابئ.., في المقابل تعتدل الأكثرية عندما تخرج أفكارها وسجالاتها للعلن, لكن ثمة من يرى في ذلك تعميما غير دقيق فقد تتيح أدوات الانفجار المعلوماتي من فضائيات وشبكة إنترنت فرصة لنشر الأفكار التي ظلت مستترة في سياق ثقافة سرية.

حتى قبل ذلك خرجت سجالات فكرية من سياق الثقافة السرية, فالإخوان المسلمون في مصر عندما تفشت ثقافة التكفير بفعل الممارسات الوحشية في سجون الحقبة الناصرية, أصدر مرشدهم إذاك حسن الهضيبي كتابه "دعاة لا قضاة " وهو رد على مفاهيم انتشرت بفعل كتابات سيد قطب وأبو الأعلى المودوي. ومع أن الكتاب ليس محاضر لحوارات وسجالات السجون إلا أنه مستوحى منها.

حوار الزرقاوي والمقدسي لا يقل أهمية عن حوارات " دعاة لا قضاة ", فالفكر السلفي الجهادي غدا فاعلا ليس في العالم العربي بل في العواصم التي تقود العالم, ومحطته الأخيرة لن تكون لندن كما أن واشنطن ونيويورك لم تكن بداية انطلاقه. وهو فكر ليس مهمشا ومعزولا بل ينتشر انتشار النار في الهشيم في ظل الأوضاع التي يعيشها المسلمون في العالم, فالنقمة على الدول المستبدة الفاشلة لا تقل عن النقمة على الدول الكبرى المحتلة.

 

لقد سبق أن كتبت في غضون اعتقال المقدسي وقبل الإفراج عنه, وكررت ذلك عقب الإفراج والاعتقال ثانية, ان الرجل معتدل قياسا على الزرقاوي, وهو من القلة القادرة على ترشيد التيار السلفي الجهادي, لسبب بسيط أن التيار يثق فيه, وفي رد الزرقاوي على مقابلة المقدسي مع الجزيرة ما يكشف حجم تأثير الرجل, فعلى رغم قسوة الرد والمرارة التي تصبغه يحرص الزرقاوي على أن يحفظ للشيخ مكانته وسابقته.

 

هذا لا يعني أن المقدسي تخلى عن أفكاره, لكنه يقدم قراءة وفهما تمنع انزلاق الأوضاع في العالم العربي والإسلامي باتجاه العنف الأعمى, وعلى من لا يصدق أن يرجع لمحاضر محاكمة "كتائب التوحيد" أمس؛ فأربعة من المتهمين اعترفوا بأنهم كانوا يريدون ضرب أهداف في الأردن. وللمتغافلين أن يتذكروا بأن الأهداف قد تبدأ بمبنى المخابرات العامة لكنها تتوسع كما حصل في الجزائر لتشمل العاملين في مصافي النفط  التي تقدم الوقود لـ"جيوش الردة". هنا تكمن أهمية المقدسي فهو وإن كفر النظام لا يقر أعمالا كهذه.

 

في المحكمة كانت دفوع أحمد سمير الأردني وهو في الثالثة والعشرين من عمره والسوري أنس سمير وهو في الثامنة عشرة من عمره شبيهة بدفوع  المقدسي والزرقاوي عن نفسيهما في منتصف التسعينيات في القضية التي عرفت باسم "بيعة الإمام"؛ دفوع تقوم على تكفير الأنظمة الجاهلية وقضاتها. أحيل الاثنان إلى المدعي العام بتهمة إطالة اللسان.

بعيدا عن المجرى القانوني علينا أن نسأل: ما الذي يدفع أحمد الذي كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين إلى التحول باتجاه القاعدة ؟ وما الذي يدفع أنس إلى ترك المدرسة وحنان الوالدين ويهاجر في بقاع الأرض وصولا للأردن سعيا لقتال المرتدين حسب ما صرح في المحكمة ؟ ماذا عن الجيوسي الذي تنقل بأسرته وأطفاله وهو محمل بالكبسولات والصواعق؟ الإجابة طويلة لكنّ جزءا منها فكري.

 الزرقاوي  يدرك أن الأوضاع في العراق تسير في صالحه, فالانقسام السني الشيعي في أوجه, والمعتدلون السنة الذين تمثلهم هيئة علماء المسلمين والتي لا يتفق الزرقاوي معها ضاقوا بالحرب الطائفية التي تشن عليهم من خنجر ورمح وسيف معقوف.. وآخرها حاويات الموت لدى الشرطة العراقية, أوضاع كهذه يواتيها خطاب إقصائي قتالي. لذلك جاءت تحفظات المقدسي في الاتجاه المعاكس.

 في رده يصف الزرقاوي شيخه السابق بأنه "من أهل العلم" وعلى قسوة رده لا يذكر المقدسي إلا ويتبع اسمه بعبارة "حفظه الله"". ويعاتبه "اعلم أيها الشيخ الجليل: أنني قد أشك في نفسي، ولكن لست ممن يشك لحظه في دينك" ويصفه بالقول "الشيخ المقدسي حفظه الله ممن يحفظ لهم حقهم وبلاؤهم، وهو ممن يحسن الظن به، وهو أولى الناس بالمعذرة وإقالة العثرة، ولا أظن موحدا في هذا الزمان إلا وللشيخ عليه فضل، فلا يعني إن جانب الصواب في مسألة ما أن يحط من قدره وعلمه وحفظ سابقته وبلائه، ولولا خطورة ما تكلّم به الشيخ، وما سيترتب عليه من آثار سيئة على الجهاد والمجاهدين لم يكن هذا الرد. أسال الله أن يعفو عنا وعنه, وأن يغفر لنا وله".

 ومع كل هذا يطفح رد الزرقاوي  بالغضب ومن ذلك: "وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند، وإن أنسى فلا أنسى بكاء الشيخ أبي أنس -رحمه الله- عندما رأى الحزن باديًا على قسمات وجهي بعد قراءتي لهذه المناصحة لما فيها من تجنٍّ، وعدم تثبت، وقلب للحقائق! فواساني وقال: يا فلان، إن الله يدافع عن الذين آمنوا. ولا أبيح سرًّا إن قلت: إني كنت أظن أن الأمر لا يعدو أن يكون كبوة من فارس، يوشك أن يقوم منها، وإن المسألة ستقف عند هذا الحد؛ لكن الشيخ المقدسي حفظه الله شفعها بـ (وقفات مع ثمرات الجهاد)، ثم أَكَّد ذلك كُلَّه في مقابلته مع (قناة الجزيرة) مع تصريحه بأنه يتكلم بمحض إرادته، وليس ثَمَّ من يجبره على مقاله. فرأيت أن الأمر بدأ يتعدى حدود النصح والمناصرة، وأن هذا النصح فقد طريقه ومسالكه الشرعية، وبدأت له أبعاد أخرى، لا سيما في هذا الوقت الخطير، الذي أصبح انكسار شوكة جيش عباد الصليب واضحًا لكل ذي عينين، فرأيت لزامًا عليَّ أن أوضح بعض الحقائق، وأصحح بعض المغالطات، التي وردت في المناصحة، واللقاء مع (قناة الجزيرة)، دون استيعاب مني لكل ما ورد فيهما، فذاك يحتاج إلى تسويد صفحات وصفحات".

 وفي الرد يُستفَزُّ أمير "القاعدة في بلاد الرافدين" من الإشارة إلى خلافاته السابقة مع زعيم القاعدة أسامة بن لادن, ويتساءل بمرارة: "ولا ينقضي عجبي كيف يطرح الشيخ مثل هذا الأمر؛ وهو لم يتبين مني، وثَمَّ تساؤلات تؤرقني، لماذا هذا الكلام في هذا الوقت بالغ الحساسية، ولا سيما أني الآن جندي من جنود الشيخ أسامة -حفظه الله- وما المصلحة، ومن المستفيد من ذكره الآن ؟؟ "، ويسهب الزرقاوي في الرد على تحفظات الشيخ على التوسع في العمليات التي يصفها بالجهادية, وتوصف بالانتحارية والاستشهادية, ويخلص إلى أنه تدرج في الحكم عليها من التحريم إلى اعتبارها مستحبة، ويكرر مواقفه السابقة من الشيعة.

 لا يمكن القول أن المقدسي كان سيحدث انقلابا في فكر القاعدة, لكنه يحدث تأثيرا مهما ومطلوبا, سيما أن مجمل جماعات المقاومة في العراق وواجهتها العلنية "هيئة علماء المسلمين" لا تتردد في تمييز نفسها عن الخط الذي تتبعه القاعدة. لكن ذلك لا يعني أن القاعدة أصبحت معزولة مهمشة, بل على العكس نجد أن جماعات المقاومة أخذت بالاقتراب من خط القاعدة, ليس لجاذبية خطابها, وإنما لحماقات المحتل, وسبق أن كتبت يوم اعتقل الأميركيون رئيس الحزب الإسلامي "محسن عبد الحميد على خطا الزرقاوي".

 في غمرة السجال علينا أن نعترف أننا عاجزون عن إصلاح الكون, ولن يصغي لنا بوش ولا الزرقاوي, لكن المستطاع هو منع مجتمعاتنا من الانزلاق في دوامة عنف يحرق الأخضر واليابس. لذلك فإن الحوار بين الزرقاوي والمقدسي  يبدو أكثر أهمية مما تطفح به مقالات ومؤتمرات وصحف وفضائيات. 

abuhilala@yahoo.com

التعليق