جريمة لتغطية جرائم

تم نشره في الخميس 14 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

   تندرج محاولة الاغتيال التي تعرض لها السيد الياس المر، وزير الدفاع في الحكومة اللبنانية المستقيلة، في إطار المحاولات المبذولة لتغطية سلسلة من الجرائم، بدأت بمحاولة اغتيال النائب مروان حماده ثم باغتيال الرئيس رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما والزميل سمير قصير والسيد جورج حاوي.

    إنه عمل مفيد للمجرمين الذين سارعوا بعد محاولة اغتيال المر الى إطلاق تصريحات فحواها أن حلفاء سورية في لبنان معرضون أيضا للقتل. ربما نسي عملاء النظام الأمني السوري-اللبناني، الذين خرجوا من جحورهم دفعة واحدة لترديد نغمة واحدة، أن الياس المر ووالده السيد ميشال المر ليسا مجرد أدوات للنظام الأمني، على الرغم من أن الابن صهر الرئيس إميل لحود. فميشال المر هو، قبل كل شيء، سياسي لبناني محنك، يعرف من أين تؤكل الكتف.

     كان ميشال المر في السنوات الأخيرة حليفاً لدمشق، لكنه كان قبل ذلك، وفي مرحلة ما قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان وخلاله، من أكثر السياسيين التصاقاً ببشير الجميل، الذي وصل وقتذاك الى أن ينتخب رئيساً للجمهورية. وفي الحسابات التي يمكن أن يجريها النظام الأمني، يمكن القول ان الياس المر لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة اليه... كذلك والده؛ كل ما في الأمر ان محاولة اغتيال الابن بمثابة ضرب غير عصفور بحجر واحد، اضافة بالطبع الى تضليل التحقيق في سلسلة الجرائم التي شهدها لبنان في مرحلة ما بعد التجديد للرئيس لحود.

     قبل كل شيء، يبدو واضحاً من تصريحات يتامى النظام الأمني السوري-اللبناني، أو على الأصح، ما بقي منه، أن الهدف من محاولة الاغتيال هو منع السيد فؤاد سنيورة من تشكيل حكومة. إنها رسالة واضحة الى الرئيس المكلف، فحواها أن لبنان بلد مكشوف الى حد كبير، وأن هذا ما ينتظره من أحداث في حال تشكيل حكومة غير مرضٍ عنها من النظام الأمني المشترك الذي أظهر أنه لايزال فعالا الى حد كبير. ولذلك، أفضل ما يمكن أن يعمله السنيورة هو الإسراع في تشكيل حكومة. أكثر من ذلك، إنها رسالة الى لبنان واللبنانيين، تقول صراحة انه لا يوجد أمن في بلدهم، وأن ثمة حاجة الى وصاية دائمة على البلد إذا كان مطلوباً أن يسوده السلم المدني. أي أن هناك ثمنا لابد للبنان أن يدفعه من سيادته في حال كان مطلوباً أن يحافظ على سلمه الداخلي. والملفت في هذا السياق، أن محاولة اغتيال الياس المر جاءت في وقت لم يعد خافيا على احد أن سورية أغلقت حدودها مع لبنان، في محاولة مكشوفة للقول انها مازالت مصرة على الإمساك بالبلد، ولتأكيد قدرتها على الانتقام، حتى لو كان عليها خرق القوانين الدولية والظهور أمام المجتمع الدولي كمن يضرب عرض الحائط بها.

    صارت اللعبة واضحة في لبنان. البلد في أزمة حقيقية منذ اتخذت دمشق قرارا بالتمديد للرئيس لحود، وهو القرار الذي أدى مباشرة الى صدور القرار 1559. نعم، هناك أزمة في لبنان راحت تتصاعد مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري، ما دفع بأهل السنة إلى اخراج سورية من لبنان بدعم دولي، لكن ما يتبين مع مرور الوقت أن الأزمة الحقيقية في سورية وليس في لبنان. انها أزمة نظام يرفض أخذ العلم بما يدور في المنطقة والعالم وبموازين القوى فيهما، ولذلك ليس مستبعداً ان يرتكب مزيداً من الأخطاء في لبنان، وبحق لبنان واللبنانيين. إنه نظام يعتقد أن في استطاعته ممارسة عملية هروب الى الأمام الى ما لا نهاية، غير مدرك أن مصلحته تكمن في لبنان مستقل، يحكمه أشخاص يؤمنون حقاً بالعرب والعروبة، وليس بالعمالة العمياء لأجهزته، أشخاص يستطيعون القول لدمشق بكل صدق ومحبة أن التصعيد في لبنان ومع لبنان سيزيد أزمة النظام فيها عمقاً، لا لشيء سوى لأن الضغط على لبنان لا يعني شيئاً بالنسبة الى الإدارة الأميركية باستثناء أنه يزيد نفوذ اولئك الذين يدعون في واشنطن الى اتخاذ قرار نهائي بتغيير النظام في دمشق على غرار ما حصل في بغداد!

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق