الكويت تستعيد المبادرة

تم نشره في الأحد 10 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

    ان تحصل المرأة الكويتية على حقوقها السياسية، وان تدخل امرأة الحكومة الكويتية امران اكثر من طبيعيين، لا لشيء سوى لأن من عادة الكويت ان تكون دولة متقدمة في محيطها. تكفي الاشارة الى ان لديها دستورها الدائم منذ فترة طويلة، والى الحياة البرلمانية الحقيقية فيها وممارسة مجلس الأمة دوره الرقابي بفعالية... والى الدور الذي تلعبه الصحافة الكويتية على كل الصعد، وهو دور يضعها في مستوى الصحافة المتداولة في الدول المتقدمة ديمقراطياً.

     ما يمكن قوله ان الكويت استعادت المبادرة، ولم تكتف بذلك، بل ذهبت الى تأكيد ان الزخم الذي رافق اعطاء المرأة حقوقها السياسية لن يتوقف. وكان الدليل على ذلك الوفود النسائية الكويتية التي زارت لندن وباريس وواشنطن. وجاءت هذه الوفود لتثبت ان للمرأة الكويتية دورها في مجال التفاعل بين الكويت والعالم المتحضر، وان المرأة الكويتية لا ينقصها شيء متى كان مطلوباً منها تمثيل بلدها في المحافل الدولية. أكثر من ذلك، اكدت غير شخصية بريطانية ان الكويت يجب ان تكون فخورة بنسائها وبما اظهرن من قدرات في كل الحوارات والندوات التي شاركن فيها في لندن، وكانت كثيرة ومتنوعة.

     بفضل البرنامج الذي اعده المركز الإعلامي الكويتي في لندن، وهو مركز مديره السيد خالد الطراح، كانت هناك فرصة ليتعرف البريطانيون جيداً الى الكويت والى المجتمع الكويتي من الداخل، وكي يحتفلوا بحصول المرأة الكويتية على حقوقها السياسية. وذهبت شيري بلير، زوجة رئيس الوزراء البريطاني، الى حد القول بعد لقاء مع اعضاء الوفد النسائي الكويتي: "انا ادرك ان البعض يخشى من ان هذا التغيير (اعطاء المرأة حقوقها السياسية) يؤدي الى تقويض الثقافة والعادات. ومع ذلك، فإن المجتمعات الاخرى في المنطقة وخارجها حافظت على شخصيتها وخصوصيتها في الوقت الذي تعززت فيه حقوق المرأة. والقرار الأخير، القاضي بتعيين اول سيدة عضوا في الحكومة الكويتية، يشير الى ان الحكومة الكويتية تؤمن بهذا الرأي. وآمل في اتخاذ مزيد من الاجراءات من أجل ضمان تمكين المرأة من لعب دورها الكامل في المجتمع".

ما يلفت في كلام شيري بلير اشارتها الى دور الحكومة الكويتية على صعيد تمكين المرأة من نيل حقوقها السياسية، ذلك ان الحكومة الحالية برئاسة الشيخ صباح الأحمد، وهو رجل دولة فريد من نوعه، اثبتت ان في استطاعتها كسر الجمود والانتصار عليه. فقد كان مقدراً للكويت ان تبقى اسيرة الجمود والعقليات المتحجرة الى ان جاءت الحكومة واكدت ان ذلك ليس ممكناً، وان كل الاعذار التي يمكن ان تستخدم لمنع الاصلاحات اعذار واهية لا بد من تجاوزها.

     نعم، واجهت الكويت محناً كثيرة واستطاعت التغلب عليها، بما في ذلك محنة الاحتلال العراقي الذي نجم عن المغامرة المجنونة لصدام حسين، ولو قدر للكويت ان تستسلم لما كانت استعادت حريتها وسيادتها واستقلالها، ولو قدر للكويت ان تتراجع عن تجربتها الديمقراطية وعن السير الى النهاية في الاصلاحات، لكان أمكن القول انها استسلمت لمفاعيل الاحتلال والعقلية المتخلفة التي يمثلها. نفضت الكويت الغبار عن جناحيها وعادت تحلق كما عادتها في الماضي، خصوصاً ان العائلة الحاكمة وهي من الشعب، تدرك تماماً ان القائد هو الذي يقود وليس الذي ينقاد. انها عائلة تدرك معنى ان تلعب الكويت دوراً طليعياً في المنطقة، ومعنى المحافظة على التجربة الديمقراطية والحياة البرلمانية والصحافة العريقة، ومتابعة الاصلاحات السياسية الى النهاية. والأهم من ذلك كله ان العائلة تدرك اهمية اعطاء المرأة حقوقها السياسية الكاملة، لأنها تدرك ان لا اصلاحات حقيقية في اي مجتمع من المجتمعات من دون اعطاء المرأة حقوقها السياسية.

     ان العالم يتغير والمنطقة تتغير، وهناك دول خليجية امتلك القيمون عليها ما يكفي من الجرأة والشجاعة لجعل بلدانهم على تماس مع العالم، وهناك دول تخشى أي تغيير، وتفضل الجمود والمحافظة على الوضع القائم، لأن هذه الدول استثمرت في الجهل وتخشى اعطاء النساء ابسط حقوقهن. هناك بكل بساطة الذين يؤمنون بالانفتاح والحرية والعدالة وحقوق المواطن ووجوب اجراء انتخابات وان يكون للدولة دستورها الواضح من جهة، وهناك الذين يعتقدون ان اي تغيير او اي اصلاح ينال من الحاكم ومن سلطته. من حسن حظ الكويت انها تنتمي الى فريق الانفتاح، وهو فريق يؤمن قبل كل شيء بأن الحاكم والمسؤول يجب ان يكونا في خدمة الشعب، وانه يجب عدم الخوف من هذا الشعب، بل على العكس من ذلك يجب التفاعل معه. وتجربة الكويت ربما تختصر بكلمة التفاعل بين الاسرة الحاكمة والشعب والثقة المتبادلة بينهما. انه التفاعل الذي جعل كل كويتي يرفض التعاطي مع الاحتلال من قريب او بعيد، ويرفض ان يكون اداة من ادواته، ما جعل التحرير ممكناً وما جعل البلد يستعيد عافيته ودوره الطليعي بأسرع من المتوقع.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق