ماذا يريدون؟ بل ماذا نريد؟!

تم نشره في الأحد 10 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

أصدرت المحكمة الايطالية حكما على الصحافية الايطالية اوريانا فلاشي بالسجن لمدة سنتين بتهمة سب الدين الاسلامي، وكانت السيدة السبعينية المصابة بداء السرطان قد الفت كتابا بعنوان (Force of Reason) قالت فيه: "ان القارة الاوروبية مهددة بالغزو الاسلامي، وان ابناء الغرب قد استسلموا (لأبناء الله).. وان اوروبا ليست هي اوروبا ، انها (اوروبا العربية او Eurabia ).. مستعمرة مسلمة حيث الغزو لم يكن تقليديا بل انه غزو فكري وثقافي، وان هؤلاء الغزاة قد سمموا الديموقراطية".

ردة  فعل مسملي ايطاليا بوجه خاص لم تكن ودودة، فقد رفع شخص مسلم يدعى عادل سميث قضية على الصحافية متهما اياها بالتهجم على الاسلام، مع ان السيد عادل نفسه متهم بنفس التهمة ايضا، فقد قال منذ سنتين في مقابلة تلفزيونية "ان الكنيسة الكاثوليكية عبارة عن منظمة اجرامية" وطالب بازالة الصليب من الجدران والمدارس والفصول الدراسية، وعندما شاهد صليبا معلقا في غرفة المستشفى الذي ترقد فيه والدته رماه من النافذة.

القصة اوردتها صحيفة Wall Street Journal والصحافي الذي كتبها  قضى حوالي ثلاث ساعات مع السيدة اوريانا، ولم يجلس ولا دقيقة واحدة مع السيد عادل سميث الذي رفع القضية، وقد كتبت القصة باسلوب عاطفي يستدر عطف القارئ تجاه السيدة اوريانا ويشحن قلب القارئ ضد السيد سميث.

عادة ما يحاول كاتب اي قصة مثل هذه مقابلة الطرفين، فان رفض احدهما المقابلة لاي سبب فان على الصحافي ان يثبت بطريقة او اخرى انه قام ببعض الجهد لايجاد توازن عقلاني في القصة حتى لايضيع الحياد.

ليس هذا موضوعنا، ولكن اليست هذه القصة واطرافها وكاتبها جزءا من مشكلة نعاني منها جميعا؟

بعد تفجيرات لندن الاخيرة شعرت ان نبوءة صامويل هنتنغتون "صراع الحضارات" على وشك ان تتحقق، فمع الجهد المبذول من قبل الحكومات في الدفع باتجاه "حوار الحضارات" إلا ان الشارع لا يهمه ماتقوله الحكومات، بل تهمه حياته، وما يحدث عليها من تأثير، وما يراه بأم عينه من ضحايا يتساقطون باسم الاسلام او باسم الديمقراطية والحرية.

قد يجتمع بعض رجال الاديان المختلفة تحت سقف واحد، ويتحدثون عن امور لايفهمها احد سواهم ويبتسمون في وجوه بعض، ويتصافحون امام عدسات الفضائيات، ليقول احدهم للاخر، ان ديننا دين سلام واننا قد نختلف معكم ولكننا لانكرهكم، ثم يتوادعون ويذهب كل منهم الى حال سبيله، ولكن هل نستطيع ان نطلق على مؤتمر مثل هذا انه حوار اديان؟

ان قصة مثل قصة الصحافية فالوشي وخصمها عادل سميث قد افسدت العلاقة المسيحية الاسلامية بشكل كبير، وهذه ليست القصة اليتيمة في علاقتنا مع الغرب، بل ان ردة فعل الشارع الاسلامي تجاه كتاب تافه مثل "ايات شيطانية " لم يكن ردا عقلانيا ايضا، وانعزال وتقوقع المسلمين في مجتمعات اقرب ما تكون الى الغيتوات اليهودية في ضواحي باريس ولندن لا يفيد بشيء.

يجب ان نعترف بفشلنا في اندماجنا واستفادتنا من الحضارة الغربية، فبعضنا وجد فيها العدو الذي يجب ان يقاتله حتى يدخل الجنة، والبعض يراها البقرة الحلوب التي يجب ان يستفيد منها اقتصاديا، والقليل من يرى فيها علما وثقافة وانفتاحا ونظاما وانضباطا، يجب الاخذ منه والاقتباس من نفائسه والاندماج فيه مع الحفاظ على خصوصية الثقافة وحدودها المتعارف عليها.

لقد عاش اليهود في اوروبا وامريكا، واحتفظوا بمدارسهم ومعابدهم واقتصادهم ضمن الكيان الاجتماعي الغربي، وكان لهم خصوصياتهم الثقافية والاقتصادية التي لم تتصادم مع المحيط الذي يعيشون فيه، وحسنوا من صورتهم، واستفادوا من مآسيهم وضغطوا باتجاه تحسين اوضاعهم حتى اصبحوا جزءا من النسيج الغربي واصبحت لغتهم ومصطلحاتهم تستخدم في التعابير اليومية وفي مختلف اللغات الاوروبية.

نريد حوارا إسلاميا إسلاميا، نريد ان نفهم انفسنا ونخرج بتصور نموذجي عن المسلم قبل ان نعرضه على الغرب، لنستمع لردود افعالنا عن ما كل مايحدث ابتداء من احداث 11 سبتمبر وحتى غزو افغانستان واحتلال العراق وانتهاء بتفجيرات لندن، ردود افعال متباينة حتى يكاد السامع والراصد لها أن يخرج بتصور باننا ابناء اديان مختلفة لا دين واحد.

بعد ان ننتهي من حوارنا الداخلي نستطيع حينها ان نقول للاخرين اننا جاهزون، وحتى ذلك الحين يجب ان نكتشف انفسنا ونعرف نقاط قوتنا وضعفنا ومن هو الشاذ فينا حتى نأخذ بيده الى جادة الصواب بدل ان نتخبط في ظلام الخلافات ونشير باصابعنا الى بعض متهمين بعضنا بعضا بتهم مختلفة.

كاتب قطري، رئيس تحرير الجزيرة نت

[email protected]

التعليق