حماس: دولة داخل دولة!!

تم نشره في السبت 9 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

   لا تبعث على التفاؤل تلك التصريحات النارية التي وردت على لسان الدكتور محمود الزهار، القيادي البارز في حركة حماس، والتي مفادها أن الحركة فقدت الثقة بشخص الرئيس محمود عباس، وأن الأخير لا يمكن الاعتماد عليه! وتأكيد الزهار رفض السماح للسلطة الفلسطينية بإدارة قطاع غزة بعد الانسحاب الاسرائيلي، المزمع في منتصف الشهر القادم، هو تحد ليس للحكومة الفلسطينية الشرعية فقط، وإنما أيضا لإرادة الشعب الفلسطيني الذي انتخب السيد عباس، وبالتأكيد لم ينتخب حركة حماس.

    من هنا، فإن صاحب الحق الشرعي في إدارة قطاع غزة هو السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وليس حماس، ولا يمكن قبول تصوير قدوم السلطة الفلسطينية وكأنه احتلال آخر! فالزهار يتكلم وكأنه يخاطب عدوا أو دولة أخرى، مع العلم أن عباس هو الشخص الوحيد المنتخب، وبأغلبية شعبية واضحة.

    يحق لحماس، كفصيل معارض، الاختلاف مع وجهة نظر السلطة الفلسطينية، كما هو الحال في سائر دول العالم، لكن وكما في بقية دول العالم أيضا، فان السلطة هي التي تحتكر استخدام القوة، وأن من يتحداها لا يمكن تصنيفه الا بالخارج عن القانون.

   لا نعتقد أن السيد الزهار كان يقصد الخروج على القانون، وإنما هو يريد أن يبعث برسالة واضحة للتعبير عن رغبة حماس في المشاركة الفعلية في إدارة قطاع غزة، وهذا أمر شرعي شريطة أن نعرف حجم حماس في صناديق الاقتراع القادمة. فالأرض المحررة يجب أن لا ينظر إليها ككعكة يتم التنافس عليها، وإنما هي أرض فلسطينية وطنية يجب أن تدار وتحكم في ظل قانون قوي لا يجوز التجاوز عليه من أحد أيا كان.

من يستمع إلى هذه التصريحات النارية للزهار، والتي تنم عن تحد واضح، لا يمكنه إلا الاستنتاج بأن حماس لا تعترف بشرعية السلطة الفلسطينية التي انتخبها الشعب الفلسطيني، وهي بذلك تنصب نفسها وصيّا على الشعب. وهذا مؤشر خطير إلى أن دوائر محددة في بعض الفصائل الفلسطينية لم تنضج بعد لإستبطان معنى دولة مستقلة تطالب بها ليلا ونهارا؛ فأهم عناصر ومقومات الدولة الحديثة هو سيادة القانون، وهنا تمثل السلطة الفلسطينية القانون االذي يجب أن يسود.

    تحذيرات، بل وتهديدات، الزهار بأن رئيس السلطة االفلسطينية يلعب بالنار، وأن حماس لن تخضع لأمر السلطة فيما يتعلق بتسليم السلاح بحجة المحافظة على سلامة اعضاء حماس! وأن حماس قد لا تلتزم بالتهدئة، كل ذلك كلام أقل ما يمكن وصفه باللامسؤولية واللاعقلانية. فمع احترامنا للذين فدوا فلسطين بأرواحهم في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، إلا أن السلاح الفلسطيني يجب أن يكون موحدا وتحت تصرف السلطة. كذلك، فالجميع يعرف أن موافقة حماس على موضوع التهدئة هو ناتج عن ضعف ميداني، بعد سلسلة التصفيات والاغتيالات البشعة التي قام بها الجيش الاسرائيلي، أكثر من كونها توجها سياسيا جديدا لتغيير أدوات الصراع مع محتل متمرس. ولا يمكن أن نتصور أن اقتناء الفصائل للأسلحة يعني الاستقواء على الحكومة الفلسطينية، وبالتالي العمل على إيجاد دولة داخل دولة ما زالت تنتظر الولادة!

    محاولة الشيخ حسن يوسف التقليل من شأن تصريحات الزهار، ووصفها بأنها مبالغ فيها، هو أمر محمود، ونأمل أن يتغلب التيار العقلاني داخل حماس على المعضلة القادمة التي سيفرزها إخلاء اسرائيل لقطاع غزة، وأن يتم تغليب المصلحة الفلسطينية العليا بالظهور أمام المجتمع الدولي بمظهر حضاري بدلا من اقتتال لا مبرر له سوى توازنات سياسية داخلية. ويجب أن تكون المصلحة الوطنية الفلسطينية في التحرر والاستقلال هي محرك جميع الفصائل، وليس المصالح السياسية أو الانتخابية قصيرة المدى.

التعليق