صيف حار في القاهرة

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

    ما أن تطأ قدماك أرض القاهرة حتى تشعر بحرارة الصيف هذه الأيام، التي تدفع بكثير من السياح والمصريين إلى الاختباء نهارا داخل البيوت وتحت "المكيفات"، للتخفيف من صعوبة البقاء عرضة لوهج الشمس الحارقة. لكن إذا أمكن الهروب من حرارة الشمس فإن حرارة الحالة السياسية ستصيب الجالس في بيته، وهو يتابع الصحف المصرية والأخبار أو يستمع إلى أصدقائه المصريين، سواء أكانوا من المثقفين والكتاب أم من السياسيين بل وحتى المواطنين البعيدين رسميا عن النشاط السياسي؛ فجميع هؤلاء يخضعون في معاناتهم اليومية لاستحقاقات السياسة وقراراتها.

     من لا يزور القاهرة للمرة الأولى سيلحظ الفرق الكبير بين هذا العام والأعوام السابقة بمجرد أن يقرأ بعض الصحف المصرية الجديدة أو المستقلة والقومية. فالثورة الإعلامية لا تدع أحدا، بدءا من الرئيس مبارك وابنيه، مرورا بأركان الحكم والجهاز الأمني، وصولا إلى قضايا الفساد السياسي والأوضاع الاقتصادية.

       ولكي أشرك بعض القراء الذين لا يتابعون الصحافة المصرية، وحتى يشعروا بشيء من حرارة الوضع السياسي وشمس الصحافة المحرقة، يمكن إيراد نص قصير من مقال مجدي مهنا بعنوان "في الممنوع" (صحيفة المصري اليوم): "الفساد انتشر وتغلغل في كل أنحاء الجسد.. ولم يعد يصلح معه شفاء أو إصلاح إلا بعملية جراحية كبرى... هل يعلم رئيس الدولة بما ينشر ويقال؟ هل هناك من يقوم بحجب الحقائق والمعلومات عنه؟ هل هناك من له مصلحة في ذلك، لأنه جزء من هذا الفساد، أو لأنه يعلم أن رئيس الدولة لا يريد أن يزعجه أحد بمشاكل وأعباء الحكم ومسؤولياته التي أصبحت مزعجة ومرهقة؟!".

       أما أيمن نور، فما زالت قضيته تعطي زخما للجدل السياسي. وترفع كلماته وانتقاداته من سقف المعارضة كثيرا، فيما تقوم صحيفته "الغد" (المصرية) بحملة شرسة ضد الرئيس مبارك ونجله جمال. ولا يتردد نور بالتساؤل عن ثروة جمال مبارك ونشاطه المالي، بحيث تشعرك مقالاته بأنك أمام ثورة سياسية بمعنى الكلمة.

       ولا يختلف سقف صحيفة "الدستور" (المصرية طبعا) عن الصحف الأخرى، وإن كانت تمتاز بلغتها الساخرة والعامية. ويمكن أن تلحظ هذا السقف المرتفع بوضوح في صحف المعارضة الأخرى كالعربي والوفد وصوت الأمة. وفي نفس الاتجاه، تواكب مواقع الانترنت الإعلام المطبوع؛ إذ تنشط أعداد كبيرة من الشباب المصري على مواقع الانترنت، تؤازر حركة "كفاية"، والمطالبة بإصلاح الأوضاع السياسية وفي مقدمتها عدم التجديد لمبارك، ورفض توريث الحكم. وقد تم تأسيس صحيفة "المصريون" الالكترونية اليومية، التي يشرف عليها عدد من المثقفين والإعلاميين الإسلاميين، وترتفع بسقفها السياسي عن الصحف المطبوعة.

        لا يخفي العديد من المثقفين والكتاب المصريين أن الظروف الخارجية خلقت مساحة أكبر لحرية الحركة للمعارضة المصرية، وأنها قيدت –إلى حد ما- قدرة الجهاز الأمني على قمع الحركة الحالية المتزايدة، على الرغم من اعتقال آلاف الناشطين! كما لا يمنع عجز السلطة عن مواجهة الحركة الإعلامية حاليا من التخوف بأنها تتربص بالحركة، منتظرة الفرصة المناسبة لتصفية الحساب مع من أطالوا اللسان. بل ويتحدث البعض عن موعد أيلول القادم للرد المتوقع، وعن نهاية "ربيع" الثورة الصحفية المصرية.

         إلاّ أنّ الهواجس السابقة لا تعني أن حركة المعارضة الحالية يمكن اقتلاعها بسهولة، وإيقاف نشاطها السياسي. فهذه الحركة -وإن كانت عاجزة إلى الآن في إقناع الشارع والطبقة الفقيرة العريضة بضرورة الربط بين معاناتهم اليومية وبين مطالب المعارضة- باتت تمثل طبقة عريضة من المصريين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، وتتميز بكونها تمزج بين الاتجاه الوطني المستقل والاتجاه الإسلامي والقومي، وأن حصونها الرئيسة هي مؤسسات المجتمع المدني والطبقات المثقفة المصرية التي لا يمكن إلغاء وجودها بقرار من وزير الداخلية. فهي حركة مدنية عامة بحق، تجمع مئات أساتذة الجامعات، ونادي القضاة، والمحامين، والصحافيين والكتاب، وآلاف الشباب المتحمس للتغيير، وعدداً من الأحزاب والنقابات.

       رد السلطة إلى الآن يبدو عاجزا عن مواجهة تحدي التغيير البنيوي المطلوب. ومحاولات تجديد الدماء في مؤسسات النظام، من خلال طبقة من الشباب "التكنوقراط" الذين يستقطبهم نجل الرئيس، وكذلك تغيير رؤساء تحرير الصحف القومية، هذه المحاولات لا تحول دون الشعور بحقيقة المخاض السياسي وتداعياته على شرعية الحالة القائمة، وإن كانت المرحلة القادمة غير محددة المعالم بعد.

        يبقى أن التحدي الحقيقي أمام حركة المعارضة هو أن تتوحد في جبهة واحدة، وأن تتفق على الأهداف الاستراتيجية والمرحلية وملامح البديل المطلوب، وأن يتولى توجيهها شخصيات وطنية موثوقة ذات مصداقية شعبية، ولديها من الخبرة والحكمة ما يمنع الوضع بأسره من الانجراف.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق