أيمن الصفدي

المعضلة القيمية

تم نشره في الثلاثاء 5 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

كثرت التحديات. وتشعبت الملفات الصعبة، سياسة واقتصاداً وثقافة. واصبحت "التحديات" محور القول السياسي الذي غرق انشاءً وتمنيات وهروباً من مواجهة حقائق لن تغيب لغياب الارادة في التعامل معها. بعض التحديات التي نواجه صارت تحديات بعد ان كانت عقبات صغيرة فاقمها عجز رؤية او ضعف قرار او عدم توفر ارادة لتغييرها.

التحديات كثيرة لأن الفعل المصحح كان قليلاً. والصعوبات تفاقمت لأن رؤى الاصلاح التي قبلها الناس سبيلا لمستقبل أفضل حوّلها عجز بعض من انيط بهم تنفيذها او جهلهم او اجنداتهم سراباً مكشوفاً لا يؤمن به أحد.

استباح الانشاء ذكاء الناس، وادخلت قلة الفعل الاحباط الى نفوسهم والفقر الى بيوتهم واليأس الى عقولهم.

يكرر الانشاء استعمال المفردات حد فقدانها معناها. ويزداد الفعل شُحاً، حجماً وأثراً.

تأخر البدء بفعل اصلاحي يترجم الرؤى واقعاً. وتراجعت السياسات النافعة لصالح السياسة المسطحة. تأتي الحكومات وتذهب، ويعين الوزراء ويغادرون دون تبرير مقنع يعتمد الاداء سبباً للبقاء او العزل.

ورغم جسامة التحديات السياسية والاقتصادية، التحدي الاكبر قيمي سلوكي. ومرد التدهور القيمي السلوكي ضعف بصيرة فرّغ النظام التعليمي من محتواه، ونظام وظيفي ساوى المنجز بالبليد ودفع من عيّنته الواسطة الى الامام وقتل فيمن لا يملكها حس المبادرة والايمان بأن العمل طريق تعظيم الانجاز.

وحُوّلت وزارة "المعارف" الى وزارة تربية. ويختصر تغيير التسمية التحول السلبي الذي انتهى شحاً في الفكر المبدع. فبدل ان يُمَكّن التلاميذ فرص ولوج رحاب المعرفة عالماً حراً، حوصروا في اطار التربية قوالب محدودة ومحدّدة.

وكانت النتيجة ثقافة عامة آفاقها الكلام الكبير الذي لا يشعر احدٌ بالحاجة لتقنينه او عقلنته خشية مساءلة، وفعل شحيح لا ضغط مؤسسياً او قيمياً لتعظيمه.

وبدل ان تكون بيروقراطية الدولة ماكينة انجازها، صارت معوق تقدمها. وتراجعت الجامعات، مدارس "تربي" لا مراكز علم تُثقّف.

ستفشل خطط الاصلاح السياسي والاقتصادي اذا لم تبلور خطط اصلاح قيمي سلوكي. وتبدأ هذه بمراجعة الذات. وتستعد هذه لتحمل ردة فعل قاسية ممن استكان للراهن بكل عيوبه وشوائبه.

لن يصلُح الاداء الاقتصادي اذا لم تصلح المنظومة القيمية التي تحلل التلكؤ بالعمل وتتقبل التخاذل في اداء الواجب الوظيفي. ولن يتقدم الاصلاح السياسي اذا لم تُحرّم الممارسات التي تستخف بالانسان وحقه واذا لم تُفعَّل ادوات رقابة ومساءلة شاغلي المواقع العامة. ولن تُطَهّر صورة الاسلام مما ألصق بها من اتهامات وافتراءات اذا لم يقتلع المسلمون الفكر والممارسات التي شوهت دينهم فجعلت قتل الابرياء جهاداً والموت في سبيل ذلك شهادة.

شهد الاردن في اليومين الماضيين حدثين استحوذا على اهتمام مواطنيه واعلامه. الاول التعديل الحكومي الذي لن يُقدم او يؤخر كثيراً في النتاج الكلي للحراك المجتمعي لانه جاء آنياً سطحياً في اسبابه واهدافه دون ارتكاز الى ارضية فكرية برامجية. والثاني المؤتمر الدولي الاسلامي الذي يُعَوَّل عليه الكثير في اصلاح شأن اسلامي تدهور لأنه جاء منهجياً في طرحه، واستراتيجياً في اهدافه وشاملاً في رؤيته، ولأنه يستهدف اساس الخلل: تشوهات فكرية تحولت ممارسات مرفوضة.

التعليق