أيمن الصفدي

الرابع من تموز

تم نشره في الاثنين 4 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

المفروض ان يكون الرابع من تموز  رمزاً للحرية والعدالة والمساواة. ففي مثل هذا اليوم قبل 229 عاماً، وُلدت الولايات المتحدة الاميركية، جمهورية ارادها مؤسسوها تجسيداً لحق الانسان في العيش بحرية ورفاه.

جاءت اميركا رداً على واقع كرّس القمع والطبقية وسطوة الاقوياء. وبنيت اميركا لتكون ارض الاحرار ووطن الشجعان.

قصة بناء الولايات المتحدة هي قصة كفاح ضد الاستبداد ومن اجل حياة افضل.

قدمت اميركا انموذجا جديداً في بناء الدولة الوطن. فهي لم ترتكز الى عرق او دين ولم تُعرِّف هويتها بحدودها. اميركا شيدت على مجموعة قيم. من جاء اليها وآمن بهذه المنظومة القيمية اصبح اميركيا، بغض النظر عن عرقه او دينه او مكان ولادته.

لكن العالم لا يحتفل بالرابع من تموز على انه يوم حرية. وترى شعوب عدة في اميركا الان رمزاً للتغول والاستغلال والاستقواء. فما بين القيم التي تبناها اباء الولايات المتحدة المؤسسون وبين ممارسات قادة اميركا الان ومنذ عقود تناقضات كانت ستصدم مؤسسيها الذين اعلنوا الاستقلال في الرابع من تموز قبل قرنين ونيف.

لم يكن رؤساء الولايات المتحدة واعضاء اداراتها على مدى العقود مثاليين. كانوا ساسة يعملون على تعظيم مكتسباتهم.

لكن النظام الاميركي المرتكز الى الدستور مرجعية مقدسة، حال دون تمادي هؤلاء في تطاولهم ومنعهم من خرق القيم التي بنت اميركا، ووفر هذا النظام ادوات ردع من تجرأ على ذلك.

بيد ان الوضع تغير الان. وتاريخ الانحدار الأسوأ بدأ بفوز جورج بوش برئاسة اميركا عام 2000 ليدخل البيت الابيض محافظون جدد تعاملوا مع العالم ضمن عقائدية ضربت بعرض الحائط الكثير من القيم التي ميزت اميركا.

سيحتفل الاميركيون اليوم بذكرى استقلالهم وسط انقسام على المنحى الذي سلكته بلادهم منذ قتل الارهابيون في التاسع من ايلول 2001 الالاف من مواطنيهم، وسرقوا شعوراً بالامان ظنوه ثابتاً لا يتغير.

وسيتذكر الاميركيون اليوم جنودهم في العراق. سيطالب البعض بعودتهم الى وطنهم، وسيصر آخرون على ضرورة بقائهم في العراق حتى انهاء مهماتهم.

وهنا تكمن المشكلة. فاميركا تتخبط في واقع عراقي تتعامل معه بشعارات لا بأفعال نافعة. الرئيس بوش يقول انه يريد الاسهام في بناء عراق ديمقراطي حر. لكن السياسة التي اتبعتها اميركا منذ اسقاطها نظام صدام حسين عكست سطحية في الطرح واستخفافا بانعكاسات هذه السطحية على حياة العراقيين. فغدت مهام القوات الاميركية في العراق غير واضحة.

استطلاعات الرأي تشير ان كراهية شعوب عديدة لاميركا تزداد. وتتناقض هذه الحقيقة مع  هوس عند ذات الشعوب بالهجرة الى اميركا والافادة من فضاءاتها الرحبة.

 ولهذا تفسير منطقي: يحب الناس القيم التي بنت اميركا والنظام الذي صنعته، لكنهم يمقتون ممارساتها التي انحازت الى الظلم والاحتلال. وهذه حقيقة يجب ان يفكر بها الاميركيون حين يسألون انفسهم "لماذا يكرهوننا". وحين يناقشون اثر انقلاب ساستهم اليوم على القيم الاميركية في مستقبلهم.

التعليق