ياسر أبو هلالة

فتح ما بعد ابوعمار

تم نشره في الأحد 3 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

لو أن حماس فازت بأكثرية مقاعد المجلس التشريعي، فهذا يعني أنها ستصبح الحزب الحاكم؛ أي تملك السلطة التي نذرت نفسها لمحاربتها، باعتبارها ثمرة خبيثة من ثمار اتفاق أوسلو، الذي قالت فيه مقالة مالك في الخمر.

وفي ظل المؤسسية التي تبشر بها القيادة الفلسطينية بعد رحيل أبو عمار، فإن من يقود السلطة يكون مسؤولا عن الأجهزة الأمنية؛ أي أن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، والذي سيشكل الحكومة بعد فوز الحركة، سيطلب من وزير الداخلية (...) نزع سلاح المقاومة في حال نفذت حكومة شارون التزامات خريطة الطريق حرفيا.

 أم أن حماس ستعلن انتفاضة رابعة، مستغلة تفويض الشعب الفلسطيني لها, وتكرر حصار المقاطعة، وتقدم خالد مشعل شهيدا.. شهيدا، خصوصا أن السم الذي أصابه في محاولة الاغتيال الفاشلة لا يزال موجدا في خزائن الموساد, وسيحظى بوصفه رئيس سلطة بعناية غير مجدية في المستشفيات الفرنسية؟

افتراضات قد تكون غير منطقية، لكن قرار فتح الاستراتيجي الذي اتخذته اللجنة المركزية في اجتماع عمان، بإجراء الانتخابات قبل كانون الثاني، يجعل هذه الافتراضات وغيرها منطقية.

باحتكامها لصندوق الاقتراع تكون فتح قد قدمت نموذجا غير مسبوق في السياسة العربية, خصوصا أنها تدخل انتخابات نزيهة على الغالب وغير مضمونة النتائج, وفي وقت تمر فيه الحركة بمرحلة جزر. أي أنها ستكون أول حزب حاكم مستعد للتخلي, من حيث المبدأ, عن السلطة. وهو نموذج محرج لكل من يفرض قوانين الطوارئ ويؤجل الانتخابات في العالم العربي.

قرار الانتخابات ربما يفقد "فتح" بعض مكاسبها, ويدخلها في مخاطرة غير محسوبة. هذا في المدى القصير، لكن في المديين المتوسط والبعيد، تكسب كثيرا، وتدخل في صفقة مضمونة الأرباح. فحركة التحرر الوطني الفلسطيني التي انطلقت قبل أربعة عقود لم تقم لتنقل الشعب الفلسطيني من سجن الاحتلال إلى سجن الاستبداد, كما تشكل الانطباع عقب أوسلو، في ظل هيمنة الأجهزة وانتشار أقبية التعذيب. والشعب الفلسطيني لا يقبل أن تحتله حكومة منتخبة ويحكم من قبل حكومة أمر واقع.

مع كل ذلك، لا يبدو أن الانتخابات ستؤدي إلى تغيرات جذرية في تركيبة السلطة. ففتح ستواصل دورها السلطوي على الأرجح، مسنودة بأكثرية محدودة، في الوقت الذي تقود فيه حماس معارضة قوية. وضع كهذا سيقوي حماس وفتح معا؛ إذ ستبدو حماس حركة تملك رؤية سياسية إضافة إلى فعلها الثوري, ووجودها في المجلس التشريعي سيفرض على السلطة "الفتحاوية" رقابة صارمة، تنقيها من كثير من الشوائب, وسيجعل العناصر النظيفة في فتح تتصدر العمل الرسمي.

أكثر من ذلك, الشعب الفلسطيني بحاجة إلى حماس لأن حقوقه التاريخية لم يحصل عليها بعد, ولابد للسلطة من التلويح بورقة حماس: "إن لم تقدموا شيئا للشعب الفلسطيني فإن حماس ستكون الرابحة".

لا يمكن لفتح أن تشطب حماس من الخريطة الفلسطينية، كما لا يمكن العكس. وفي انتفاضة الأقصى، غسلت شراكة الدم بين الفصيلين كل ما شاب علاقتهما من شوائب, لكن انتخابات البلديات فرقتهما ثانية.

ليس مطلوبا من فتح ما بعد أبو عمار أن تحتكر تمثيل الشعب الفلسطيني بقدر ما هو مطلوب منها إدارة التناقضات في الشارع الفلسطيني، بما يجعلها مصدر إثراء وتنوع، لا عامل تفريق وتشظٍ. وزيارة أبو مازن لدمشق ستعكس مدى قدرته على تلك الإدارة. وإن ساعدته فتح في اجتماعات اللجنة المركزية, فهو بحاجة إلى مساعدة حماس عندما يزور دمشق؛ فهل ستقبل عرضه بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية؟ أم أنها تسعى إلى تشكيل تلك الحكومة بعد الانتخابات؟ المرجح أن تكون الإجابة بـ"لا" عن السؤالين.

abuhilala@yahoo.com

التعليق