د.باسم الطويسي

الصحافة.. والفساد

تم نشره في الجمعة 1 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

بعدما دفع جلالة الملك الحراك السياسي الوطني المتردد نحو الأمام، بتكليف رئيس الوزراء بإنشاء هيئة مكافحة الفساد، بدأت الصحافة الأردنية لحنها الخالد المعروف؛ بالتسويغ وإضفاء الشرعية على السلوك الرسمي للدولة، وكأن الأمر يحتاج إلى تسويغ وتبرير! متناسية أن مرور أكثر من عقد ونصف من الحراك والتعثر الديمقراطي لم يصاحبه دور رقابي للصحافة، ولو بالحدود الدنيا من الكشف عن الفساد واستقصائه، على نحو ما تقوم به الصحافة في أرقى الديمقراطيات كما في مجتمعات الموجة الديمقراطية "النيئة".

وفي موقف آخر، تفتح دائرة المخابرات العامة أبوابها لمجلس نقابة الصحافيين، في حادثة هي الأولى من نوعها، وفي إشارة يراد بها التدليل على انفتاح الجهاز الأمني على المجتمع المدني الاردني، وفي مقدمته الصحافة التي لم تبادر بدورها بالانفتاح على الآخرين بجدية. وفي الأثناء ايضا، يبرئ القضاء الأردني النائب السابق رياض النوايسة من تهم ألصقت به، ويمر الأمر دون متابعة للصحافة ولا استقصاء!.

ما لمس خلال هذا الأسبوع كان ومازال لا يزيد على تحويل خطوة جريئة في مأسسة جهود مكافحة الفساد إلى مجرد مناسبة للاستهلاك الإعلامي، سوف نغادرها خلال أيام قليلة، لتنشغل الصحافة وتشغل معها الرأي العام بتحليلاتها لنتائج التعديل الحكومي وشجونه. بمعنى ان الصحافة، التي تعد الأداة الأكثر مرونة في الرقابة ومحاربة الفساد وكشف مخابئه، تغيب بصمتها حيال قضايا يومية، تمر بدون متابعة واستقصاء، لا لشيء أكثر من غياب المهنية والاحتراف، وتراجع قضية الحريات الصحفية، وهو الأمر الواضح من خلال عدم رفع مستوى هذه القضية في جدول أولويات المطالب السياسية.

الخوف أن تتحول خطوة إنشاء هيئة لمكافحة الفساد إلى مجرد احتفالية إعلامية، على طريقة احتفالات مباركة القرارات والبيانات الثورية، في الوقت الذي كان المتابع يتوقع أن تقدم الصحافة ووسائل الإعلام قراءات في تاريخ الفساد في الأردن، بالأرقام والتواريخ والوقائع. وكذلك دور الأطر المؤسسية القائمة حالياً، والمعنية بمهام المراقبة ومكافحة الفساد، ومستقبلها، أو ان تفتح ملفات قضايا الفساد الحائرة وتعيد التذكير بها، أو ربما تثقف الناس بالمضامين العلمية المعاصرة لمؤشرات الفساد وقياسه، والأبعاد السلوكية والمهنية للفساد، بعيداً عن التعريف الشعبي الذي يحصره بسرقة الأموال.

يأتي دور الصحافة في مرحلة التحول نحو الديمقراطية في مقدمة وسائل الإعلام القابلة للتحرر من القيود التقليدية، والقابلة في الوقت نفسه لاختبار مسار التحول نحو الديمقراطية ومدى جديته. فهي الأداة المثلى لممارسة دور الرقابة وكشف أشكال الفساد بمختلف مستوياته وأنماطه، ولا يمكن تصور دور الصحافة بمجرد الحديث عن الفساد بعناوين عامة وإنشاء سياسي، دون اشتباك حقيقي مع بيئة الفساد. فهناك اليوم تقنيات متطورة في الاستقصاء والبحث والمتابعة تمكن الصحافة من القيام بمهامها في هذا المجال، إلى جانب ما تتمتع به هذه الوسيلة، في مرحلة التحول الديمقراطي، من مكانة تجعلها عصب وقوة وسائل الإعلام؛ نظراً لما يتوفر لها من قوة بنائية، تنبع من قدراتها على تقديم المعلومات، والكشف عن مكامن الخلل في أداء السلطات، بتعدد وتنوع غير متاح للوسائل الأخرى، التي عادة ما تبقى محتكرة من قبل السلطات في هذه المرحلة. هذا إلى جانب الأصل السيكولوجي، القائم على علاقة المصداقية والثقة التي تعمل الصحافة على إقامتها مع الجمهور المستهدف.

لقد تأخرت الصحافة الأردنية -رغم ما شهدته من تطور خلال السنوات القليلة الماضية- عن الاقتراب نحو دورها الرقابي، وبالتحديد في مجال التصدي للفساد وكشفه. فالتنافسية واثبات الجدارة المهنية يجب أن يدار الجانب الأكبر منهما في تطوير الأداء الصحفي، لخدمة الأهداف التنموية الكبرى وأوليات الناس التي لا خلاف أنها تدور حول أربع قضايا أساسية، هي: حماية المصالح الوطنية العليا، ومحاربة ظاهرتي الفقر والبطالة وما يرتبط بهما من فساد في الأداء العام، وكشف سياقات فساد الارتجال السياسي والإداري، إلى جانب الفساد المالي والإداري. وإذا ما تقاعست الصحافة عن القيام بدورها في هذه المجالات، فإنها حتماً تسهم هي الأخرى في إفساد الرأي العام.

كاتب أردني

basimtwissi@hotmail.com

التعليق