إبراهيم غرايبة

واشنطن تفاوض المقاومة العراقية

تم نشره في الأربعاء 29 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    الإعلان عن مفاوضات تجريها كل من واشنطن ولندن مع المقاومة العراقية، على لسان كل من رامسفيلد وبلير والجعفري، بعد نشر تقرير يبدو أنه سرب عمدا من قبل الإدارة الأميركية والبريطانية، كان منتظرا منذ مدة طويلة. وكان بعض المحللين يغامر بالقول بوجود هذه المفاوضات، اعتمادا على حدس تحليلي وإشارات غامضة، لكن القاعدة المنطقية لهذه المفاوضات كانت قوية وقائمة في التحليل والتفكير في الحالة العراقية الراهنة. فالدول لا تخوض الحروب لأجل الهواية والاستمتاع، والمصالح التي يمكن تحقيقها بدون القوة العسكرية لا تحتاج إلى القوة حتى لو كانت متاحة وممكنة.

        والمدرسة الأميركية الدبلوماسية والاستراتيجية التي صاغها كيسنجر (ولم يبتدعها) تقوم على أن التسويات يجب أن يخرج منها الجميع في حالة توازن، وأن القوة المنتصرة يجب ألا تسحق المهزوم أو تبيده حتى لو استطاعت ذلك، وإنما يجب أن تمنحه قدرا ومنفذا لسلام مشرف، وأفضل ضمان للسلام هو التوازن.

        هل كانت المفاوضات تعبيرا عن أزمة أميركية داخلية، بعدما تصاعدت الخسائر العسكرية والمالية في العراق، وتحول الرأي العام إلى موقف مضاد للحرب الأميركية في العراق، وإحجام الشباب الأميركي عن الانضمام إلى الجيش، وظهور بوادر واحتمالات التمرد في الجيش الأميركي؟ وهل كانت إدراكا أميركيا لضرورة وأهمية التوازن السني-الشيعي-الكردي، وهو ما دعت إليه بوضوح وصراحة كونداليزا رايس في زيارتها للعراق مؤخرا؟ وهل الاستقرار في العراق وفلسطين، أو تحقيق تسوية تحقق قدرا من الاستقرار والرضا (وليس بالضرورة تسوية عادلة)، هي الأرضية الأساسية للمشروع الإصلاحي في الشرق الأوسط وإقامة حوار وتعاون مع الحركات الإسلامية الوسطية والمعتدلة التي تبدو قادمة بقوة إلى الحكم في المنطقة، والتي تملك مفتاح استيعاب التطرف والعنف سلميا ومن ثم تخفيف موجة الكراهية للولايات المتحدة الأميركية؟ هل تأتي المفاوضات في سياق ترتيبات الولايات المتحدة الأميركية، بالشراكة مع أوروبا، لتحقيق معادلة استقرار جديدة في المنطقة، قائمة على الإصلاح السياسي والتحالف مع الحركات الإسلامية والسياسية التي تصل إلى الحكم بالانتخاب، من أجل التحضير لمرحلة جديدة من المصالح والمشروعات القائمة على مواجهة الصين الصاعدة وروسيا المتربصة والهند المتطلعة إلى دور وحصة في السوق العالمية، والتأثير في المنطقة؟ هل تريد الولايات المتحدة، لأجل مواصلة التأثير على السوق العالمية للنفط، تقديم كثير من التنازلات وتغيير سياساتها واستراتيجياتها؟

      لم تتوقف الاعترافات الأميركية بالخسائر العسكرية والمالية الكبيرة في العراق، ولا يحتاج المراقب والمتابع للشأن العراقي إلى جهد كبير لملاحظة الأخبار اليومية عن قتلى جيش الولايات المتحدة الأميركية في العراق، وتراجع شعبية الرئيس بوش وفريق المحافظين الجدد، والتذمر الشعبي في الولايات المتحدة وأوروبا من التأثير السلبي للحرب في العراق على الحريات والاقتصاد والضرائب والاستثمار والسياحة. وربما الأكثر ضررا بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية تصاعد موجة كراهية ضدها في أوروبا، لعلها تفوق العداوة والكراهية في الشرق الأوسط وبالتأكيد تفوق آسيا.

         ويبدو أن الولايات المتحدة ظلت تواجه أزمة كبرى مع حلفائها في العراق، الذين يصرون على حرب استئصالية إقصائية مهووسة لكل عناصر النظام السياسي السابق، والتي تعني بالضرورة إقصاء تاما للعرب السنة. ويبدو أن الولايات المتحدة تركت حلفاءها يواجهون الحائط المسدود. فالعراق بلا دور عادل وفاعل للعرب السنة هو عراق بلا عراقيين. بالإضافة إلى أن العرب السنة يمثلون الرصيد الحقيقي للعراق في الإدارة والتنظيم والعلم والثقافة، ويمتلكون من الخبرات العلمية والإدارية والعسكرية والأمنية والكفاءات الراقية التي بدونها يتحول العراق إلى دولة بدائية لا يمكن إدارتها وتسييرها. وبدونهم أيضا لا يمكن إقامة تحالف مع حكومة عراقية كفؤة وقادرة على حماية نفسها، وتحقيق مصالح الولايات المتحدة، ولا تكون عالة وعبئا عليها. وهذا ما حدت تماما في فيتنام، عندما عجزت الولايات المتحدة عن الحصول على شريك فيتنامي يمكن الاعتماد عليه، ويستطيع إدارة الدولة معتمدا على نفسه وبقدر معقول من المعونة الأميركية، كما في كوريا الجنوبية على سبيل المثال.

       ما يحتاجه العراقيون هو أن يكتشفوا ويتبعوا اتجاههم التاريخي في العمل على إقامة دولة للعراقيين جميعا، وتحقيق السيادة الوطنية، والاستجابة لانتماء ينتفي معه اصطياد الفرص والمكافآت، ولهاجس محكوم بحتميات مسار عام للتاريخ يصنع المستقبل، وفق قواعد لا يمكن أن تناطح التاريخ والجغرافيا، وألا يديروا ظهرهم للتاريخ والمستقبل، وألا يستجيبوا لغرائز أولية من الانتقام، وفرص تقدمها اللحظة التاريخية للمغانم.

التعليق