عودة إلى الهلال الخصيب.. تاجه العراق والشام وقلبه الخليج

تم نشره في الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

     أمضيت إجازة آخر الأسبوع الماضي في الساحل اللازوردي الشهير بالريفيرا الفرنسية. ورغم انه رائع حقا إلا أنني لم أتمتع به! ذلك أن معظم ساعات النهار التي جعلت من اجل التمتع بالبحر والصيف أمضيتها مع باحثين سعوديين وخليجيين وأوروبيين، نناقش عالمنا "الأوروبي-الخليجي"، وذلك في إطار تجمع يلتقي كل صيف، بات يسمى

"يورو-جلف"، ومن المفترض أن يعقد لقاؤه المقبل في الرياض.

       كنت متفائلا جدا في كلمتي في المؤتمر. وبالفعل، بدأت حديثي بالقول: "سأكون استفزازيا عندما أحدثكم عن توقعي بعودة هلال خصيب منتعش اقتصاديا، منفتح وبدون حدود في المشرق العربي، تاجه يمتد ما بين العراق إلى لبنان وسورية وقلبه المملكة العربية السعودية ودول الخليج. والاستفزاز يأتي من أنني متفائل بينما يفجر انتحاري نفسه كل عدة ساعات وسط عراقيين يريدون بناء بلدهم، كي يكون جزءا من هذا الهلال الخصيب، وبينما لا يفصل بين تفجير صحافي أو سياسي وطني لبناني، متفائل مثلي بمستقبل افضل، إلا أسابيع قليلة". هناك قوى بيننا لا تريد هذا الهلال الخصيب، فتحاربه لأنها لا تجد نفسها فيه؛ إنها متحالفة هذا الأيام، رغم التعارض العقدي الهائل بينها، فهي إما تحمل فكرا منغلقا ضد الآخر والانفتاح والفرح، ومشروع الهلال الخصيب يجلب كل ذلك، وإما أنها لا تستطيع أن تعيش إلا في بيئة سياسية قمعية، تسود ببطش المخابرات وتنتعش اقتصاديا بالفساد والامتيازات الخاصة والتجاوزات، واقلها التهريب بين الحدود المغلقة، وهي ما ينفيه مشروع الهلال الخصيب.

       المملكة العربية السعودية باقتصادها القوي، والذي يحتاج أيضا إلى إصلاح كي يزداد قوة، ويتمدد ليشمل غالبية السعوديين، تبحث عن شركاء في منطقتها لتتسع اقتصاديا وإنتاجيا نحوهم، وهم يفعلون الأمر نفسه تجاهها. ولعل القارئ يلاحظ اهتمام المسؤولين السعوديين بالإصلاح، خاصة الاقتصادي منه، في المنطقة. ويدعون إلى إقامة منطقة للتجارة الحرة في إطار الجامعة العربية، ما يفسر زعمي ببحث السعودية عن شركاء، ينهضون معها نحو عالم افضل.

       قبل عامين حلمت بهذا الهلال الخصيب، وتوقعته آتيا من العراق، لكن أخطاء الأميركان، وهجمة القاعدة "التي وفرت أخطاء الأميركان(مرة أخرى) الأرضية المناسبة لها"، وأدتا الحلم العراقي إلى حين، ولكن ليس نهائيا. فالعراقي لابد أن يدحر هؤلاء ويبني عراقا موحدا وقويا. وهذه المرة، أرى الحلم آتيا من لبنان في نهضته الجديدة، التي دفع ثمنها وأيقظها -ويا للآسف- دم رجل سبق زمانه هو رفيق الحريري، الذي كان يمكن أن يكون ركنا من أركان الهلال الخصيب المقبل.

         لنترك كل خلافات اللبنانيين -التي أوقدت جذوتها الانتخابات- جانبا؛ فهذا التناحر من الأعراض الجانبية الملازمة للعملية الديمقراطية. سيجد الزعماء اللبنانيون، بعدما انتهت "قضية الوجود السوري"، أن قضيتهم الحقيقية هي بناء لبنان جديد، يقوم على العدالة والحرية، وتعزيز اقتصاد ينعم اللبنانيون فيه برخاء حقيقي. أما محاربة الفساد، الذي هو من ألد أعداء الاقتصاد الناجح، فقد باتت قضية جميع الفرقاء، من المعارض الجديد العماد ميشال عون إلى المعارضة سابقا والمتحولة إلى حكومة، أي تيار الحريري وحلفائه، ومن بينهم أيضا حزب الله، الذي يواجه استحقاقات أمام ناخبيه، إذ يرون أنفسهم طائفة مهضومة الحقوق، ولا شيء غير اقتصاد حر قوي كفيل بإخراجهم من ذلك الواقع. وحتى زعيم حركة آمل، نبيه بري، يريد أن يحارب الفساد. إذن، ستكون هناك اختلافات، لكنها اجتهادات نحو نهوض اقتصادي قد يقلب الموازين في المنطقة. لقد تضاعفت معدلات الدخل في بعض دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا، في عقد واحد، فما الذي يمنع اللبنانيين من فعل معجزة كهذه، قد تكون المحرك لإحداث تغيير جذري لدى جيرانهم، دون الحاجة إلى مغامرات أميركية أخرى؟

يستطيع اللبناني، المنتشر بذاته وشركاته وشراكاته في المنطقة، أن يحمل مع السعودي لواء هذا الهلال الخصيب، الذي يترك الكيانات السياسية في عالمها الوديع لكنه يلغي الحدود والتهريب والشك والبيروقراطية. عالم ممتع، تغدو فيه الرحلة من بيروت إلى تبوك متعة، مع الكثير من فناجين القهوة التركية وقطع البقلاوة، التي تريح السائق في استراحة نظيفة راقية في دمشق أو عمان.. شيء مثل قيادة سيارة مكشوفة على الساحل اللازوردي من مانتون الفرنسية إلى سان ريمو الإيطالية (وهو ما لم أتمتع به)، دون الحاجة للتوقف إلا للوقود مثلا أو تنسم ربيع منعش.

       إن المحرك للوحدة العربية، إذا بقي من يؤمن بها، هو الاقتصاد. فاحتمال قيام وحدة جمركية واقتصادية، بما تعنيه من رفع للحدود وحرية للتنقل، تبدو بين بلد كلبنان ودول مجلس التعاون الخليجي اقرب منها مع اليمن، رغم أن الأخيرة اقرب إلينا جغرافيا وقبليا؛ فهذه الاعتبارات لم تعد مهمة، إنما المهم هو الاقتصاد والتقارب في مستوى الدخل والأنظمة، فبهذه العوامل نقترب اكثر، وبغيرها سنمضي في طرق شتى.

         وللربط بين واقع أوروبا السعيد اليوم وحالنا الذي نعرفه جيدا، فإن معظم الريفيرا الفرنسية الشهيرة هي أراض إيطالية تاريخية، خسرتها إيطاليا في حروب توحيدها؛ إذ كانت الثمن الذي دفعه الوحدويون الإيطاليون في حربهم لتوحيد بلدهم الممزق. بل إن بطل الوحدة الإيطالية، جبيرالدي، من أبناء مدينة نيس الفرنسية الشهيرة، قبلة أصحاب اليخوت العرب والعجم! عرفت ذلك في حوار مازح بين مضيفنا المستشرق الفرنسي المعروف جيل كيبيل وبروفيسور إيطالي متابع للقضايا العربية، وذلك أثناء عشاء على ضفاف البحر، انتهي بسلام بين الأوروبيين الذين طالما احتربا ثم وضعا كل ذلك خلفهما، ووحدتهما مصالح اقتصادية.

كاتب ومستشار إعلامي سعودي

[email protected]

التعليق