إبراهيم غرايبة

نحو ميثاق لمكافحة الفساد

تم نشره في الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    مبادرة جلالة الملك لمكافحة الفساد تفتح المجال واسعا للحديث والنقد، وتقتضي بداهة انتهاء مرحلة يجب أن نعترف أنها موجودة، وهي الحصانة التي تمتع بها الفساد من النقد والكشف والمواجهة، وهي ظاهرة أخطر من الفساد نفسه.

      ويجب أن نعترف أيضا أن الفساد منظومة شاملة ومتمأسسة وذكية، ولا تقتصر على القطاع العام، وإنما تمتد إلى المجتمع والقطاع الخاص والمجتمع المدني والشركات والاستثمارات الأجنبية، وتحتاج مواجهته إلى أكثر من مراقبة الأداء الحكومي.

       ليس مفهوما بعد سبب عدم إنجاز قانون الكسب غير المشروع، والذي طرح في المجلس الحادي عشر (1989 – 1993) ولم يكتمل حتى اليوم إجراءات إصداره ووضعه موضع التطبيق، برغم صدور مئات القوانين من بعده سواء بطرق عادية أو استثنائية، وهذا يضع تساؤلا حول مدى جدية السلطتين التشريعية والتنفيذية في إصدار القانون، ومدى أولويته لدى الحكومة والنواب والقائمين على العمل العام.

       ويبدو أننا بحاجة لفتح المجال للصحافة ووسائل الإعلام والنشطاء في العمل العام للتصدي على نحو غير رسمي أو مؤسسي للفساد، ولكن سلطة الرأي العام يمكن أن تكون فعالة إذا رصدت ونشرت المخالفات والتجاوزات في الصرف والإنفاق والتعيين والفصل والتوريد والعطاءات والقرارات والممارسات الفردية والمجتمعية سواء في المؤسسات الحكومية أو الخاصة أو المجتمعية أو حتى الفردية.

         ويجب أن يعرف كل من يمارس الفساد أنه ليس بمنجاة من المجتمع والرأي العام، حتى وإن لم يطله القانون، فالمجتمع بسلطته وثقافته هو الأساس في مكافحة الفساد، ويجب أن تعكس السياسات والتشريعات توجه المجتمع وثقافته، ولن تفيد هذه السياسات حتى لو كانت متقدمة في مكافحة الفساد إذا لم يتقبلها المجتمع ويؤيدها.

          لا يمكن مكافحة الفساد في ظل ثقافة الخوف، وإنهاء هذه الحالة يبدأ بمجتمعات نشطة، وتجمعات للمتضررين من الفساد في التعيين والفصل والتمييز وسوء المعاملة والتحيز والاعتداءات على الممتلكات والموارد والقوانين والأنظمة، فالفساد تحميه أيضا مصالح معقدة ترتبط به، ولا يمكن مواجهته إلا بشبكة من المتضررين والمتطوعين، وإذا كان المتضررون مباشرة من الفساد غير مستعدين للمواجهة والتصدي للظلم فهذا يعني خسارة أكثر من نصف المعركة مع الفساد، ويجب ألا ينتظروا من غيرهم مساعدتهم.

          لدينا في الأردن مؤسسات وأنظمة يفترض نظريا أنها تحمي حقوق المواطن وتصون موارد الدولة، ديوان المحاسبة، وديوان الخدمة المدنية، وديوان الرقابة والتفتيش، والرقابة الداخلية، ومديرية مكافحة الفساد، ووزارة المالية، ووظائف المحاكم والقضاء، ووظائف مجلس الأمة، ولكن الفساد القادر على تخطي هذه المؤسسات والتشريعات يحتاج إلى مواجهة من نوع جديد مختلف، وإلا فإننا سنكون في مواجهة حالة قائمة على فساد مبدع ومتمكن ومكافحة غلبانة وساذجة.

          ولنتساءل ببساطة هل الفرصة متكافئة أمام المواطنين في التنافس على الوظائف والمناصب في الحكومة والشركات؟ وهل يتوقع أن يكافح الفساد أشخاص وصلوا إلى مواقعهم سواء في الحكومة أو القطاع الخاص أو في الإعلام بسبب الفساد والمحسوبية والشللية؟

التعليق