بذخ سياسي

تم نشره في الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

في ظلال مشاورات الحكومة لاجراء تعديل على تركيبتها، نعود الى الوراء سنوات قليلة، وتحديدا إلى فترة حكومتي علي ابو الراغب وفيصل الفايز. وهي فترة قصيرة سياسيا، وتمتد منذ حزيران 2000 وحتى نيسان 2005، اي اقل من خمس سنوات، لنرى العدد الكبير من التعديلات على الحكومتين، بما فيها اعادة التشكيل الشكلية في احدى مراحل حكومة ابو الراغب. إذ شهدنا مراحل لم يمكث فيها الوزير اكثر من ثلاثة اشهر، اي اننا نمارس بذخا وترفا في تعيين الوزراء واقالتهم.

اما الحكومة الجديدة، التي لم يمض على تشكيلها اكثر من 80 يوما، فإنها تخضع لعملية جراحية شاقة لتعديلها. وبعد ان كان الحديث عن تعديل ضيق اصبح تعديلا موسعا، اي ان الحكومة تعترف انها ضمت عناصر غير كفؤة، وان بعض الوزراء جاؤوا الى غير ما يستحقون من مواقع. لكن مشكلة هذا التعديل انه اعتراف -وهو سيد الادلة- اننا نمتلك مشكلة في طريقة التشكيل والاختيار، وان هذه المشكلة لا تحل عبر اللجوء الى تعديل مثل الذي يجري، وتمرير بعض الاسماء ارضاء لشخص أو كتلة او نواب جغرافيا.

وهذه الكثافة والسرعة في زراعة الاردن بأصحاب المعالي ليست حالة سياسية غير مبررة فقط، بل هي تكلفة ادارية ومالية على الخزينة. فكل وزير يدخل حكومة ويغادرها بعد شهور قليلة يتحول الى صاحب تقاعد كبير، وتأمين صحي رفيع. ويتحول الى "المطاردين"، الذين تبحث عنهم المواقع الكبرى، من وزير الى سفير او عين او رئيس مجلس ادارة. وكم هو طريف ما قاله احد الاردنيين تعقيبا على التعديل الوزاري، بأنه لو تم خصخصة تشكيل الحكومات، واعطي الامتياز لأحد رجال الاعمال او لشركة، لما مارست كل هذا الترف في تعيين الوزراء واقالتهم، ولما كانت هذه السرعة في اختيار وزير، يتم ابعاده عن منصبه بعد شهرين او ثلاثة، لأن ادارة هذا الامر بعقلية اقتصادية سيعني ترشيدا للقرارات وعمليات التعديل والتشكيل واعادة التشكيل.

واذا عدنا الى التعديل على الحكومة الحالية، فإننا نتساءل عن الشفافية بشأن من يتحمل مسؤولية ظهور حكومة أمضت80 يوما من عمرها تعاني من ازمة مع النواب، وكان قرارها الاول الحقيقي اجراء تعديل موسع؟ وهذا يعني وجود مسار سياسي واجرائي غير سليم، كما يعني تعطيلا للحكومة خلال ثلاثة اشهر. والنتيجة، ترحيل وزراء وتنصيب وزراء جدد وفصل وزارات. والسؤال: لماذا لم تتم ادارة ملف تشكيل الحكومة، منذ البداية، بشكل سليم وبهدوء، دون ان تدفع الدولة تكلفة سياسية واقتصادية وادارية نتيجة ما جرى؟!

لسنا متفائلين بالتعديل؛ لانه لم يحدث بعد تقييم اداء الوزراء. والحالة السياسية التي يجري فيها التعديل لا تبشر بمخرجات تختلف عما جرى في عملية التشكيل. فالاسس ما زالت كما هي، بل اضيف اليها رغبة في استرضاء النواب. وسيصحو الاردنيون قريبا على تعديل لا يعني سوى تمرير الحكومة وقراراتها الاقتصادية المتوقعة! وسيبقى السؤال قائما: لماذا جاء هذا الوزير او ذاك، ولماذا غادر؟ وهذا سؤال مشروع. فحتى رئيس الوزراء تحدث للكتاب والصحفيين، قبل اسابيع، انه عندما استدعي الى الديوان توقع ان تتم مشاورته في مشكلات التعليم العالي، وليس تشكيل حكومة!

كل تعديل والاردنيون بخير، لكن تبقى دائما عيون الناس على "جرة" الغاز والبنزين والسكر والحليب، بغض النظر عن الحكومات وطواقمها.

التعليق