أيمن الصفدي

دروس الأزمة

تم نشره في الاثنين 27 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

يبدو أن الخلاف بين الحكومة ومجلس النواب سينتهي الى توافق. وهذا مهم، لكن الأهم أن أسس الحل كانت سياسية, إذ جاء نتيجة لمفاعيل تبلورت من خلال حوار أفضى الى صفقات وتنازلات وتفاهمات هي في صلب العمل السياسي.

انتهت الأزمة, أو أوشكت, من خلال سبل ستضغط باتجاه إنضاج ديناميكيات العمل السياسي. ولم ينجم التجاذب الذي سيطر على السجال العام خلال الأشهر الثلاثة الماضية عن غالب ومغلوب. فالرئيس لم يلجأ الى أدوات السلطة ليثني النواب عن رأي بدا ردة فعل وتطور موقف. والنواب أظهروا مرونة سياسية تقبل الأخذ والعطاء وتعكس طبيعة السياسة كسباً هنا وتنازلاً هناك.

الحكومة, وبعد أسابيع صعبة شهدت تصاعداً لحدة النقد الموجه إليها وتنامياً في قائمة النواب العازمين حجب الثقة عنها, أدركت انها امام حال صعبة لا يمكن تجاوزها دون التجاوب مع بعض مطالب النواب التي لم تكن دون قاعدة شعبية.

وشكلت استقالة وزير المالية السابق باسم عوض الله اول خطوة انفراجية, من حيث اعتبار النواب لها استجابة لمطالبهم, في حين وفرت لقاءات الرئيس بالنواب ارضية لحوار سمح بالوصول الى تفاهمات سيترجمها التعديل المحدود الذي سيجريه الرئيس على حكومته نهاية الاسبوع.

بيد ان تدخل جلالة الملك كان السبب المباشر في ايجاد اجواء سمحت بانطلاق حوار عقلاني بين السلطتين. وجاء التحرك في وقته, ليس لانه كان مطلوباً من جلالة الملك أن يدخل في تفاصيل الخلاف, بل لأن تحديد جلالة الملك لمفهوم التغيير الذي حملت الحكومة لواءه ملأ فراغاً خلقته فوقية نخبوية تعالت عن التواصل مع الناس. فطمأن الملك بتدخله القلقين من تبعات التغيير على مستقبل الأردن واسقط حجة المزاودين في آن. لكن الانفراج في علاقة الحكومة بالنواب يجب ان لا يؤدي الى اسدال الستارة على الأزمة دون استخلاص دروس نافعة.

أول هذه الدروس هو ان المواطن اقوى من أي محاولة لتهميشه, ويبقى الرقم الصعب الذي لا يستطيع أي سياسي تجاوزه دون أن يدفع ثمنا باهظاً, بسرعة احيانا, وبعد زمان احياناً أخرى. فمن يعتمد الفوقية أو الوصاية في التعامل مع المواطن, وهو ما لا ينطبق على بدران لكن على بعض عرابي المرحلة والحكومة, سيجد نفسه في مواجهة خاسرة.

اما ثاني الدروس فهو ان الاصلاح كل متكامل لا يجزأ. فلا يستقيم اي طرح اصلاحي لا يقر بمركزية تطور مجلس النواب شريكاً في صناعة القرار. ولا يستقيم اصلاح يربط وجهة الوطن بشخص أو أشخاص. وتخريب هو أي فعل سياسي لا يصب باتجاه بناء مؤسسات عمل عام فاعلة قادرة, يحميها القانون من توغل المسؤولين او جهلهم.

ثمة حاجة ماسة لدراسة الأزمة الحكومية النيابية التي كادت ان تدخل البلد في سراديب صراع سلطات عاصف. فأسباب تطور الأزمة هي في درجة خطورة النتائج التي كانت ستؤول اليها. والحؤول دون ان تؤدي مثل هذه الاسباب الى خلق أزمة مشابهة في المستقبل يتطلب, أولاً, الاعتراف بتراكمية الأخطاء التي أوجدتها ويستدعي, ثانياً, تحمل مسؤوليتها.

وهذا, بالطبع, لا يقلل من أهمية اخذ العبرة من الآليات التي اتبعت لتحقيق الانفراج, بدءاً من بروز الحاجة لتدخل جلالة الملك نتيجة عدم قيام رسميين بعملهم, ومروراً بأهمية الاستماع الى الرأي الآخر دون اقصائية أو رفض لا عقلاني لوجهات النظر المخالفة.

التعليق