وهم السلطة

تم نشره في الأربعاء 22 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

  معادلات ادارة الدول والمجتمعات تتغير بعد اية تطورات جوهرية في معادلات السياسة والاقتصاد. واكثر المتضررين هم الذين لا يحبون او لا يستطيعون ادراك اشكال السلطة الحقيقية، ويعيشون تحت وهم السلطة، او السلطة الوهمية، وهؤلاء يفضلون اغماض اعينهم عما يجري. وربما يكون هذا عجزا عن محاولة امتلاك مفاتيح السلطة الجديدة.

والسلطة ليست نوعا واحدا. فبعض السلطات موسمي، وبعضها قادر على احداث تحولات، لكن المعيار الحقيقي للسلطة انها تلك التي تعيد هيكلة الحاضر لرسم معالم المستقبل. واحيانا تلجأ القوى الذكية الى تضخيم انواع السلطة الوهمية حتى شعر اصحابها بالرضى، بينما تمارس هذه القوى تسللا منظما الى مفاصل الدول والمجتمعات.

فقد يشعر بعض اركان القوى الاجتماعية بالسلطة اذا حافظ على موقعه في المجتمع. فالسلطة بالنسبة له ان يصف لاتباعه كيف جاءه الموظف بالمعاملة موقعة وهو في مكتب المدير يشرب الشاي، وينتابه الغضب اذا تمت "عزومة" كبيرة ولم يكن على رأس المدعوين، او تمت جاهة او عطوة او صلحة ولم يكن ضمن قادتها. فالسلطة بالنسبة له ضمن هذه المعايير، حتى وان كان مثقلا بالديون او متخما بالكمبيالات التي تمثل ثمن سيارته وبيته، وتكاليف الولائم التي يقيمها للمحافظ او النواب او المسؤولين السابقين.

واذا كانت الصورة السابقة ابسط الصور، فإن مرتبة اخرى يمثلها مسؤولون في مراتب ومستويات مختلفة. فالبعض قد يرضى ان يحمل لقب الموقع حتى وان كان اداة في يد المسؤول الاكبر؛ فالسلطة هي السيارة التي تقف على باب بيوت العزاء والافراح، ويسأل الناس عن صاحبها المسؤول، او ربما بعض الرحلات. وهذا الامر يمتد من رئيس قسم وحتى الوزير، فالكل يرضى بالوهم من السلطة حتى وهو يعلم انه لا يملك جوهرها.

لكن عمق المشكلة عندما تنتقل الممارسة من الافراد الى الكتل الاجتماعية الكبرى، فتشعر بأنها صاحبة سلطة، وانها تنال الحظوة من اصحاب القرار لمجرد مجاملات شكلية ومجموعة من العبارات والجمل المتوارثة جيلا بعد جيل، ويتلهى افراد هذه الكتل الاجتماعية عن جوهر السلطة، التي تمتلك مفاتيحه مجموعات افراد او مراكز ضغط. فكل المهرجانات والاغنيات وبطاقات الدعوة والمغلفات والمجاملة البلاغية لا تمثل اي نوع من السلطة، او اية مجموعة تملك القرار الاقتصادي لأية دولة. فمن يوقع اتفاقات تزيد ديون الدولة وتعمق القيود عليها يصنع مستقبل البلاد، سواء كانت هذه القروض مفيدة او لصناعة مساحة اكبر من القدرة على الانفاق. ومن يرسم شكل الاقتصاد او السياسة او التعليم او سياسة النقل على الطرق، يلزم البلاد والعباد باستحقاقات ثقافية ومالية وقوانين. فالسلطة لمن يملك القدرة على التغيير، لا من يحظى باستقبال حار من قبل اصحاب السلطة.

وهناك مؤسسات تعيش احيانا وهم السلطة. فقد يمر على البلاد مجلس نواب يحمل على كتفه وصفا نظريا يدلل على السلطة في الرقابة والتشريع وحمل هموم الناس، لكن الواقع أنه قد لا يعطى سلطة حقيقية. وربما تعمد بعض القوى، بحسن نية او غير ذلك، الى تحويل هذه المؤسسة الى سلطة وهمية؛ فهي تناقش الثقة بالحكومات لكن النتيجة مضمونة ومتوقعة. واحيانا تخضع المؤسسات لعمليات تشويه تستند إلى ممارسة المؤسسة ومفرداتها، بحيث تصبح في نظر الناس كتلة امتيازات، لا سلطة في ادارة الدولة.

وبعض الحكومات تضم 30 وزيرا او اقل قليلا، لكن السلطة الحقيقية تكون لدى بضعة وزراء، فيما الاخرون مدراء لوزاراتهم. كما أن السلطة التي تمثلها الحكومة دستوريا، كصاحبة ولاية، قد تختصر في عدد من الوزراء، واحيانا لا يكون رئيس الحكومة من بينهم!

ما بين امتيازات وشكليات السلطة وبين جوهرها مسافة. فليس كل صاحب سلطة او موقع هو صاحب قرار، وليست كل مجموعة اجتماعية او كتلة سكانية، تتلهى بالشكليات، هي صاحبة سلطة، فالسلطة لها مفاتيح وعناوين لا تتحقق الا بامتلاكها.

التعليق