الجنرال الذي صار كولونيلا

تم نشره في الأربعاء 22 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

    أعادت انتخابات شمال لبنان بعض التوازن الى المجلس النيابي الجديد، واظهرت ان هناك رغبة حقيقية لدى الشعب اللبناني في التمسك بالحرية والسيادة والاستقلال، بعيدا عن اي نوع من التعصب الطائفي والمذهبي. فقد أثبتت انتخابات الشمال ان المواطن اللبناني معتدل بطبيعته، بل انه يجسد الاعتدال وانه يصوت للذين يمثلون العيش المشترك بين اللبنانيين، ويجسدونه بالأفعال وليس بمجرد الكلام والشعارات، التي يتبين سريعا انها فارغة من أي مضمون.

     والأهم من ذلك كله، ان الشعب اللبناني في الشمال أظهر انه يمتلك حدا ادنى من الوفاء للذين قادوا فعلا انتفاضة الاستقلال.

    ألحق شمال لبنان هزيمة شنيعة بالعماد ميشال عون، الذي يصر على تسمية نفسه "الجنرال"، علما بأنه لو كان يمتلك حدا ادنى من الحس السياسي، لكان اول ما فعله ان أعاد النظر برتبته، وسمّى نفسه "الكولونيل"؛ لعل ذلك يساعده في القيام بعملية نقد ذاتي على كل المستويات، تبدأ بسؤال نفسه: لماذا قبل ان يكون مجرد أداة للسياسة السورية؟ أداة استخدمت في الانقضاض على رموز انتفاضة الاستقلال، فكان اسقاط نسيب لحود بكل ما يمثله من شموخ وكبرياء ورقي في وجه النظام الأمني السوري-اللبناني، الذي استعاد جزءا لا بأس به من حيويته بفضل "الجنرال".. عفوا "الكولونيل" عون.

     كان على ميشال عون، في ضوء ما ارتكبه من فظاعات منذ عودته الى لبنان، وهي فظاعات راح ضحيتها شباب "التيار اللبناني الحر" الذين شاركوا في انتفاضة الاستقلال وفي كل النشاطات التي رافقتها، ممارسة عملية نقد ذاتي في العمق، محورها: كيف يسمح لنفسه بالتحول الى حليف للفساد والفاسدين؟ كيف يمكن ان يصبح حليفا ليتامى المخابرات السورية واللبنانية، الذين لم يفعلوا شيئا في الخمس عشرة سنة الاخيرة سوى ملاحقة أحرار لبنان، بمن في ذلك أنصار عون الذين صدقوا، للأسف الشديد، انه كان يناضل من أجل الحرية والسيادة والاستقلال؟! لم يدرك هؤلاء ان ميشال عون كان ينعم بكل ما يريده في باريس، فيما كان المناضلون الحقيقيون على أرض لبنان يدفعون ضريبة الدم. كانوا يدفعون ضريبة عن كل حائط يبنى في وسط بيروت وفي مناطق مختلفة من لبنان، وعن كل طريق تشق، وعن كل مدرسة او مستشفى او مرفق عام يصب في خدمة اللبنانيين ويجعلهم أكثر تعلقا بوطنهم. هل هناك تضحية اكبر من دم رفيق الحريري الذي استشهد من أجل لبنان واللبنانيين؟! وقد جاء ميشال عون ليعتبر ان استشهاد الرجل، الذي أخرج الجيش السوري من لبنان، حدث عابر ليس مطلوبا التوقف عنده.

    آن اوان امتلاك ميشال عون حدا أدنى من الشجاعة للقيام بمراجعة للنفس. فإذا كان بالفعل زعيما وطنيا لا ينادي بالطائفية، لماذا لا يوجد عدد معقول من المسلمين حوله؟ أوليس ذلك مستغربا؟! كيف يمكن لرجل مثله ان يبني زعامة وطنية بعيدا عن الشراكة مع مسلمي لبنان؟

    متى عاقب ميشال عون نفسه على خسارته المعركة الاخيرة والمعركة التي سبقتها في المتن، خصوصا عندما ساهم في اسقاط الشرفاء وانجاح الفاسدين، يمكن القول ان الرجل بدأ يفكر، او على الأصح انه قادر على ان يفكر، وعلى التصرف كسياسي عندما تتطلب الأمور ان يكون سياسيا، متخليا عن تهوره.

     لعل نقطة البداية ان يأخذ ميشال عون بضعة اسابيع يخصصها للراحة وللتفكير، في ان السياسي الحقيقي هو ذلك الذي يعرف كيف يخسر، وان خسارته في شمال لبنان يمكن ان يحولها ربما، متى ادرك ان معظم الذين خاض بهم معركته او دعمهم، اذا استثنينا رجلا شريفا مثل فايز كرم والدكتور عبدالمجيد الرافعي وغيرهما، لا يستحقون ان يكونوا نوابا بأي شكل من الأشكال. من يستطيع مثلا النيل من سمير حميد فرنجية لمصلحة سليمان طوني سليمان فرنجية؟ ام ان ميشال عون يريد مشاركة سليمان في التغطية على الجرائم التي ارتكبت اخيرا في لبنان، وآخرها اغتيال الزميل سمير قصير؟ هل يريد تحويل عمل ارهابي الى مجرد جريمة عادية، خدمة للنظام الامني السوري-اللبناني؟

     ربما كان ميشال عون لا يدري ما الذي يفعله، لكن ذلك لا يعفيه من ضرورة تحمل مسؤولية تصرفاته الهوجاء، التي كان يمكن التساهل معها لولا انها لم تؤد في الماضي الى سلسلة من الكوارث في حق لبنان واللبنانيين. المؤسف انه من نوع الرجال الذين لا يمتلكون حدا ادنى من الذكاء للقول لأنفسهم ان أهم ما يستطيع ان يفعله الانسان هو ان يتعلم من تجارب الماضي، وان يتذكر التجارب التي مر بها لبنان، عندما اغتصب قصر بعبدا وخاض "حرب التحرير" التي لم تؤد وقتذاك سوى الى تحرير لبنان من اللبنانيين!

التعليق