ياسر أبو هلالة

التلفزيون الأردني في مهب الانقراض

تم نشره في الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

  استضافة التلفزيون الأردني للنائبين عبدالله العكايلة وممدوح العبادي أحدثت عاصفة سياسية-إعلامية، توازي تلك التي تحدث عندما تستضيف محطة الجزيرة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. ومع أن رئيس مجلس إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، مصطفى الحمارنة، أقر بغياب وجهة النظر الرسمية، وحاول تدارك الخطأ غير المقصود في نشرات لاحقة، إلا أن ذلك لم يخفف الهجوم على المؤسسة.

والواقع أن ما فعلته المؤسسة مشروع. وإذا كان خطأ فالمطلوب مزيد من هكذا أخطاء لاستعادة ثقة المشاهد في شاشته، التي توشك أن تضيع في الزحام. والسؤال الكبير: أين كانت الأصوات اللائمة عندما كان يغيَب النواب وتغيَب المعارضة بشكل منهجي ومبرمج، وفي أخطر القضايا التي تمس المواطن؟

اللائمون هم من جعلوا التلفزيون الأردني في مهب الانقراض، ساعة حرموه فرص التطور في أكثر من لحظة تاريخية. البداية في العام 1989، عندما شوش السوريون بث التلفزيون الأردني لأنه كان ينقل جلسات النواب على الهواء. وكان في تلك الجلسات ما يهز الحياة السياسية في الأردن وسورية والمنطقة. وكان من الممكن أن يكون التلفزيون الأردني أنموذجا للمنطقة، قبل أن تنطلق الفضائيات بعد ذلك بسنين. بعدها جرت محاولات للتطوير، لكنها كانت تصطدم بصخرة الواقع الصلبة.

بعيدا عن الماضي، ما جرى في (ستون دقيقة) يندرج في محاولات التطوير، التي يفترض أن تدعم وأن لا يكون مصيرها الفشل. فاستضافة نائب، معارضا كان أم مواليا، أهم من استضافة وزير. فالأول هو الذي يمنح الثاني الثقة، وله في مؤسسة التلفزيون أكثر من أي وزير، حتى وزير الإعلام أو الناطق الرسمي. فالنائب حاز ثقة الناخبين لأربع سنوات، أما الوزير فقد حاز ثقة النواب التي قد يقرر أي عشرة منهم طرحها مجددا في أية لحظة.

هذا من حيث المبدأ، أما النائبان العكايلة والعبادي، فهما من أبرز النواب الذين تفتح لهما شاشات الفضائيات إن ضاقت بهما شاشة التلفزيون الأردني. ولم يعرف عنهما، مهما اختلفت معهما سياسيا، تشنج أو تطرف. فالعكايلة هو النائب الوحيد الذي حافظ على ثقة ناخبيه بشكل متواصل منذ العام 1984، وهو عندما يتحدث عن وزير المالية المستقيل  تسنده شهادة دكتوراه من جامعة أميركية، وخبرة سنين في رئاسة اللجنة المالية التي أرست قواعد التصحيح الاقتصادي في الأردن، من خلال التعامل مع العديد من وزراء المالية، على اختلاف توجهاتهم وخبراتهم. وقبل ذلك، خبرة سياسية استمرت عقودا مع أكبر تنظيم سياسي في الأردن.

أما العبادي، فهو رئيس مجلس النواب بالوكالة، والذي تعامل مع حكومة بدران بشكل مباشر منذ تشكيلها. فهو استقبل الرئيس قبل القسم، وترأس جلسة نواب الحجب مع الرئيس لاحقا، وله من الخبرة السياسية في النقابات والهيئات الشعبية ما أهله ليصبح ضيفا دائما على الفضائيات قبل أن يدخل مجلس النواب. وفي البرنامج التلفزيوني، تحدث العبادي والعكايلة عن خبرة تحتاجها الحكومة الجديدة. فالعبادي، الذي كان وزيرا أساسيا في حكومة طاهر المصري، استقال مع الحكومة بعد أن وقع العكايلة مع تحالف نيابي على وثيقة حجب ثقة، مع أن حكومة المصري كانت من أكثر الحكومات الأردنية التزاما بالديمقراطية.

النائبان لم يتحدثا بتجريح أو إساءة لهيئة أو شخص، ومارسا دورهما الدستوري. والتلفزيون مارس دوره المهني، ولو لم يستضف مسؤولا حكوميا في تلك الفترة الإخبارية. وبالإمكان أن يستضيف التلفزيون مسؤولين حكوميين في نشرات لاحقة. والتلفزيون يفقد مهنيته إذا دخل طرفا في الأزمة مع النواب أو الحكومة. والواضح أن مشكلة التلفزيون هي أن الحكومات تريده طرفا معها، مع أنه تلفزيون وطني، للنواب والحكومة على السواء.

على الحكومة أن تتذكر أن نجاح مصطفى الحمارنة في مركز الدراسات الاستراتيجية ما كان لولا الاستقلالية التي انتزعها من الحكومات المتعاقبة. وإذا أرادت له أن ينجح في التلفزيون، فعليها ألا تنازعه الاستقلالية، وإلا فعليها أن تتعامل مع حقيقة من حقائق الكون: "من لا يتطور ينقرض"، وفي المتاحف متسع للكائنات المنقرضة.

التعليق