المناقشة الكبرى.. لم تبدأ بعد!

تم نشره في الجمعة 17 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

 شهدت العديد من المجتمعات المعاصرة، في لحظات الحسم التاريخي لقضايا كبرى، أو في مواجهة أزمات أو تحولات تتطلب تحديد خيار وطني، كما هو الأمر في مراحل التحول الديمقراطي السلمي؛ شهدت مناقشات كبرى فاصلـة، ترتقي إلى صفة المناقشة التاريخية، التي يدور رحاها بين النخب وقادة الرأي والمثقفين، ويدخل في إطارها حوار مؤسسات، وأناس عاديين احياناً.

هذا ما حدث في مطلع التسعينات في الولايات المتحدة بعد الموت المفاجئ للاتحاد السوفيتي، حينما وجدت أميركا نفسها وحيدة على قمة العالم، وهي المناقشة التي خرجت بالأفكار والاستراتيجيات التي شغلت العالم منذ تلك الفترة.

وحدث ذلك في فرنسا اكثر من مرة، آخرها في مواجهة زحف العولمة حينما شارك الفلاسفة وطلبـة الجامعات وغيرهم في مناقشـة وطنيـة كبرى، اسفرت عما سمي بـ"الاستثناء الثقافي"؛ أي رفض التنميط الثقافي الذي تديره العولمة.

في الأردن لم تبدأ المناقشـة الكبرى بعد، رغم ما يثار من ضجيج، لانه ما تزال لدينا قيم كبرى في الحياة السياسيـة لم تحسم بعد. وفي كل مرة تعاد الاطروحات المركزيـة ذاتها تحت مسميات جديدة؛ مرة بالاختباء خلف مسميات مسروقـة من مجال سياسي اخر دون أي تكييف وطني أو محلي، ومرة خلف مسميات منحوتة من الخيال السياسي، والتي لا تعبر عن شيء اكثر من اعادة انتاج ملف العلاقات الأردنيـة-الفلسطينيـة على الساحـة المحليـة، بأبعادها الديمغرافية والتاريخية والمستقبلية، وتوظيفها بكل اريحيـة أو عنوة في سياق التشيع السياسي السائد محليـاً.

وكما يبدو، فإن الحوارات المحليـة المشغولـة بألغاز التحول الديمقراطي واحاجيـه، لم تتوقف منذ سنوات، ولم تأت مع هذه الحكومـة، التي لم تعمل شيئا بعد سوى رفع يافطـة جديدة عنوانها الإصلاح بدل التنميـة السياسيـة. ولعل فترات ماضيـة شهدت اجواء اكثر سخونـة، هي ذاتها حوارات التنميـة السياسيـة قبل اكثر من عام، وهي حوارات إعاقة الديمقراطيـة مع الحكومات التي اجلت الانتخابات البرلمانيـة اكثر من مرة. ومنذ سنوات، لم تتوقف هواجس الهويـة والتوطيـن والترانسفير، ولم يتغير شيء كبير سوى تبديل المفاهيم واليافطات، التي تحمل هذه المرة عنوان الموضـة العالميـة السائدة. صحيح ان هناك متغيرات عالميـة وإقليمية مختلفـة، وصحيح ان المحيط من حولنا يتبدل اكثر مما يتغير، وصحيح ان لدينا هذه المرة حراك سياسي وطني نوعي، الا انه مع هذا كلـه لم تبدأ المناقشـة الوطنيـة الأردنيـة الكبرى بعد.

منذ لجنـة الميثاق الوطني في مطلع التسعينات، مرت الحياة السياسيـة الأردنيـة بمحطات حواريـة متعددة. واحياناً تطلق تلك الحوارات وتتابعها مراكز قوى بعينها لتمرير مصالح وصفقات محددة، في حين ان ما يسمى اليوم حالـة من الحوار؛ هي بالكاد حالة تقتصر  على بعض كتاب الصحف، الذين يتبادلـون الغمز واللمز دون القدرة على الإفصاح بشكل واضح عن حالـة الاستقطاب السياسي الجاريـة، في اجواء غياب دائم للأحزاب، وغربـة واضحة للحركة الإسلامية عن المحتوى الاجتماعي المحلي، في ضـوء انشغالها بالنضال الاممي، الذي ترجم هذه المرة على شكل صفقـة سياسيـة، يتدنى فيها سقف الأيديولوجيا وترتفع فيها جدارن اخرى، كما يغيب المجتمع المدني والجامعات والأكاديميون.

وحتى النقابات المهنيـة، التي طالما كانت أدوات الحراك السياسي، دخلت هي الأخرى في هدنة بعد شتاء قارس مع حكومة التنمية السياسية. وينال هذا الصمت أطرافا أخرى في المجتمع، بينما تحيا تنظيمات فاعلة أخرى عهد التنظيمات الإصلاحية. خذ على سبيل المثال رابطة الكتاب الأردنيين التي تستعد لانتخاباتها القادمة تحت مظلة العناوين الجديدة، وبمضامين ومرجعيات تقسيمات خطوط النضال في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، من بيروت مروراً بدمشق وصـولاً إلى بغداد. واما الصمت الأكبر، فيعم أرومة المجتمع الأردني وقاعدته الأساسية، المتمثلـة في المحافظات الأردنية، إلا انه صمت من نوع آخر لا يعرف الصفقات السياسية ولم يمارسها.

يتصور المراقب للأردن من الخارج أو من داخل السفارات في عمان، ومن خلال الصحافة الأردنية أو أية وسيلـة أخرى، ان البلاد مقسومـة بأكملها إلى تيارين، بحيث يمكن تمييزهما حتى بين المارة في الشوارع، ومن خلال قسمات وجوهـهم! وأساس هذه الحالـة ان الكثير مما يكتب هو سجال مبطن، فيه تُقيـة عاليـة، وليس فيه إلا القليل من الحوار.

المناقشـة الوطنية الكبرى لا تحتاج إلى البلاغ رقم واحد لكي تبدأ مراسيم افتتاحها، وبقدر ما نحن بحاجـة ماسـة إلى نقاش وطنـي حقيقـي، تشترك فيـه قـوى وأطراف المجتمع كافة، ويحدد الخيارات الوطنيـة وأدواتها، فإننا بحاجة ايضاً إلى وفاق يحسم القيم السياسيـة الكبرى، التي بدونها لا يمكن ان تدار المناقشـة الكبرى؛ وأهمها ان الإصلاح والتغيير والتحول الديمقراطي والاجندات بمختلف موضوعاتها يجب ان تصب في قوة الدولـة الأردنيـة قبل أي شيء اخر؛ أي الاعتصام بالدولة والهويـة والدستور.

التعليق