أيمن الصفدي

نهاية ربيع بيروت

تم نشره في الخميس 16 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

فشل لبنان في تقديم الأنموذج الديمقراطي الذي تتعطشه المنطقة، والذي حملت وعده تعابير اللبنانيين التي تسامت فوق العرق والطائفة، حين جمعهم الاحتجاج على جريمة اغتيال رفيق الحريري والتحالف الأمني الاقصائي القمعي الذي ارتكبها.

اربعة اشهر فقط مرت قبل ان يركن اللبنانيون اعلام الدولة، التي رفعوها صرخة تعلن رغبتهم التوحد حول هدف الحرية ومسيرة تفكيك اجهزة القمع، وينضووا تحت اعلام احزابهم وطوائفهم هوية سياسية، ودليلاً على ان المواطنة المتحررة من أطر التعريف البدائية للكينونة السياسية والاجتماعية ما زالت شعاراً يرفع ولا يمارس.

ورغم امكانية تفسير تراجع الشعور الوطني وتعابيره لصالح الهوية الضيقة وعصبياتها على اساس الإرث السياسي والاجتماعي الذي لم تُهيّأ ظروف تغييره هيكليا بعد، فان هناك اسبابا آنية مباشرة دفعت اللبنانيين الى التقوقع وراء العصبيات السياسية والاجتماعية البدائية، مذاهب وطوائف.

وحدت جريمة اغتيال الحريري المعارضة اللبنانية، بتلاوينها وطوائفها ومذاهبها، حول هدف تحقيق استقلال لبنان وانهاء الوجود السوري فيه. لكن ما ان بدا أن هذا الهدف تحقق، حتى عاد اللبنانيون الذين كانوا صوتا واحدا في مظاهرة 14 آذار اصواتاً تتصارع على حصص اكبر من الكعكة السياسية.

ولأن الاحزاب في لبنان مرتكزة الى الطائفة اطارا ومُنطلقاً، صوّت اللبنانيون على اساس الطائفة عندما اختاروا ممثليهم في مجلس النواب.

وفي هكذا بيئة، لا يجب ان يشكل الفوز الكاسح لميشيل عون في المعقل الماروني في جبل لبنان مفاجأة, اذا ما اضيف الى عامل مرجعية الطائفة مجموعة عوامل طرأت منذ 14 آذار. فلبنان حُكم منذ ان تكوّن دولة على اساس توافقية طائفية، في اطار توازنات دقيقة درجة الهشاشة.

هذه التوازنات بدت وكأنها تنهار بشكل مضر بالطائفة المارونية تحديداً. وهذا دفع الموارنة الى اعادة ترتيب اوراقهم بما يضمن حماية مصالحهم وموقعهم السياسي. وكان الدفع باتجاه تمكّن هذا الشعور بدأ بعد تبني قانون انتخابات عام 2000 الذي رفضته مرجعيات سياسية مسيحية، اداة لاضعاف التمثيل المسيحي في مجلس النواب.

 وسبق ذلك تفجيرات استهدفت المناطق المسيحية حصراً، ما عمّق شعور الاستهداف.

 والأهم، ان كل الطوائف والمذاهب الاخرى كرست زعامات ممثلة لها (سعد الحريري للسنة، وحسن نصرالله ونبيه بري للشيعة، ووليد جنبلاط للدروز) باستثناء الطائفة المارونية، التي بدت زعامتها مهمشة او تابعة لزعامات طوائف اخرى. فكان رد فعل الموارنة ان اختاروا زعيما.

المحصلة النهائية للانتخابات اللبنانية اعلنت نهاية ربيع لبناني، تقدمت فيه الهوية الوطنية على الهويات المذهبية والطائفية، وبشّر بولادة تجربة ديمقراطية في المنطقة العربية.

التعليق