شقة ويخت لكل مواطن.. مرة أخرى!

تم نشره في الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

بعدما نشرت مقالي "شقة ويخت لكل مواطن: إنها وظيفة السوق وليس الدولة"، تلقيت عدة اتصالات وتعقيبات على المقال. بعضها شخصي مازح، يهنئني بشرائي لشقة في لندن، واتخاذي لها مثلا للحديث عن نظام الإقراض البنكي والاجتماعي والقضائي السائد في الدول الناجحة المتبنية لاقتصاد السوق الحرة، وليس في الغرب وحده، والذي مكنني من شراء الشقة، وبعضها الآخر مزج بين المزاح والجد، كالزميل الدكتور حمود أبو طالب، الذي دعا مشكورا للنظر في استعارة نظام كهذا، وتساءل فيما إذا كان علينا أن نهاجر جميعا إلى بريطانيا كي نشتري شققا وبيوتا؟

لكن بعض التعليقات كان جادا جدا، مثل رسالة رجل بنكي مرموق، يعمل في واحد من البنوك السعودية الكبرى، والذي قال في رسالة خاصة انني ألقيت باللوم في مقالي على البنوك التجارية السعودية، ولم اشر إلى السبب الرئيس الذي يمنع هذه البنوك من تقديم القروض للمواطنين، وهو عدم توفر آلية تسمح للبنك باستعادة ماله الذي اقرضه، في حال تعثر المقترض عن دفع دينه.

قال صاحب الرسالة: "إنني [رجل] بنكي، حاولت خلال العامين الأخيرين بقوة أن ادفع بنكي إلى توفير قروض سكنية دون جدوى. والسبب، هو عدم توفر قانون إخلاء كاف يستطيع البنك أن ينفذه في حالة عجز العميل عن السداد. ففي الأوضاع الجارية حاليا، سيجد البنك أمامه دينا معدوما، ولن يستطيع وضع يده على العقار حتى يقرر الساكن، من تلقاء نفسه، أن يخلي العقار! وإذ إن معظم العملاء السعوديين مدركون لوجود هذه الثغرة، فقد أدى هذا الأمر إلى ارتفاع نسبة الامتناع عن السداد".

العبارة السابقة نموذج لخطاب البنوك "الجاف"، وهو خطاب طبيعي من البنوك، ولولاه لما قامت للاقتصاد الوطني قائمة. بل إن القرآن الكريم لا يجامل في موضوع التداين، فالله عز وجل يقول في محكم كتابه: "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه" و"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"، وهو الرد الصحيح على الكتاب الشعبيين، الذين يستخدمون عبارات تنتقد البنوك، وتتهمها بالرأسمالية المتوحشة، وأنها متخمة بالمال، ولا تحسن غير جمعه.

إن جمع البنوك للمال أمر جيد، إذا كان ذلك في إطار دورة الإنتاج المشروعة. فهي ليست جمعيات خيرية توزع الهبات والصدقات، كما أن حل مشكلة الإسكان لا يمكن أن يتم بالمشاريع الخيرية، وتوزيع البيوت المجانية، التي ستتحول إلى أربطة، وتحولنا جميعا إلى فقراء يتكففون الناس، وينتظرون الحسنات والهبات وبقايا موائد الأغنياء، بينما الاقتصاد الصحيح هو الذي يجعل المال دولة بين كل الناس، في دورة إنتاجية.

إذن، المسؤولية حسب رأي صاحب الرسالة، والذي طلب عدم ذكر اسمه لظرف عمله، هي على عاتق القضاء والجهات التنفيذية، ما يعني أنها مسؤولية الدولة، التي لا يريد منها أي اقتصادي أن تجبر البنك على تخفيف شروطه، ولا أن تنافس السوق في تقديم قروض ستكون معدمة خلال سنوات قليلة، ما سينشر ثقافة عدم احترام الحقوق، وهي الثقافة المدمرة للاقتصاد الوطني بكليته. إن الموضوع اكبر من مجرد بيت تأوي إليه أسرة، بل بيت ناجح اقتصاديا، يعتمد على نفسه، فيتولد منه مزيد من البيوت الناجحة، التي تعني مجتمعا مقتدرا وسعيدا.

المطلوب من الدولة هو وضع الأنظمة وآليات الاحتكام إليها ومن ثم تنفيذها، وبعد ذلك تجلس هذه الدولة بعيدا متربعة، تراقب السوق وهي تنمو، فتصيب تارة وتخطئ أخرى، لتتدخل الدولة هنا لإصلاح الخطأ وتعزيز الصواب. لكن الغريب أن موضوعا حيويا كهذا ليس من أولوياتنا بالمقارنة مع قضايا هامشية، مثل قيادة المرأة للسيارة، والتي لا تحتاج إلا إلى "جرة قلم" كي تحسم، لكننا نغرق فيها، وننقسم ونتبادل الاتهامات والتجريح، من مجلس الشورى إلى الصحافة إلى علماء الدين، حتى بلغ أن يشكك السعودي بدين أخيه، وحول ماذا؟ امرأة خلف مقود سيارة! بينما الأصل في المساأة أنها اختيار شخصي، فمن أرادت أن تقود مركبتها مستقلة بقرارها  فلتفعل، ومن أرادت أن تمضي في حياتها معتمدة على "مشتاق"، و"فرناندو"، وابنها الصغير الذي لا يملك حتى رخصة قيادة، فلتهنأ بما هي فيه.

هناك قانون للرهن العقاري قيل انه سيحل مشكلة القرض الإسكاني، وقد اقر من قبل مجلس الوزراء قبل اكثر من عامين، لكنه لم يحدث حتى الآن "الثورة العقارية" المتوقعة.. فلماذا؟ بحثت عما كتب في الموضوع في صحفنا فلم أجد غير القليل (مقارنة بالحوار الساخن حول قيادة المرأة، أو جواز كشف الوجه، وما قال الفقهاء في ذلك)، لكني وجدت رأيا واضحا للدكتور عبد الله زيني الجفري، وهو اقتصادي معروف. إذ قال في مقالة نشرها قبل اكثر من عامين: "يبدو أن نظام الرهن العقاري، الذي أقره مجلس الشورى الأسبوع الماضي، يعاني من نفس هذا الضعف (عدم تمكين البنك من استيفاء حقوقه). فقد نص النظام على إمكانية الدائن التقدم إلى ديوان المظالم لبيع المرهون، بعد ثلاثة أيام إذا لم يوف الدين في موعده. كما حدد فترة تنفيذ قرار الديوان بما لا يقل عن خمسة أيام من تبليغ المدين. لكن لم يحدد النظام فترة زمنية لديوان المظالم للبت في طلب الدائن، ما قد يسمح للقضية بالتطاول الزمني، والإضرار بحقوق الدائن، خاصة أن ديوان المظالم غير مجهز للعمل بالسرعة التي تتطلبها الأعمال التجارية. كما اكتفى النظام المقترح بتنظيم عملية بيع الرهن، ولم يتعرض لكيفية إخلائه في حالة كونه منزلا يسكنه المقترض الممتنع أو غير القادر عن السداد، ما سيجعل البيع صعبا، إن لم يكن مستحيلا، في هذه الحالة".

من الواضح أننا أمام حالة معقدة، تتداخل فيها الأدوار والمسؤوليات، ولابد من جهة تقود العملية حتى نخرج بالنظام المرجو. وقد كان ولا يزال للجنة الخدمات والمرافق العامة في مجلس الشورى جهد طيب، إذ اعدت دراسة قيمة في الموضوع، استعرضت فيها واقع الحال، وناقشت أفكار قوانين عدة لحل المشكلة، واطلعت على تجارب الدول السابقة، لكن لابد من قوة الجهات التنفيذية لتحويل هذه الأفكار إلى حقائق، وإلزام الجهات غير المتحمسة بالاجتهاد الجاد كي تخرج  بحلول عملية.

ليس هناك افضل من وزارة الشؤون البلدية والقروية للتصدي لهذه المهمة. فالإسكان من صميم عملها، وكان لها مع مجلس الشورى دور في إخراج نظام الرهن العقاري، وبالتالي فلابد أن تكمل "الصورة". فإصدار قانون لا يكفي، وإنما إكمال المنظومة الممتدة من عملية منح الأراضي إلى تمليكها إلى التمويل إلى شركات التنمية العقارية (ولا اقصد بهؤلاء أصحاب المخططات التي لم تبق ولم تذر) إلى القضاء والشرطة، وحتى آخر سلسلة لا تنتهي من المعنيين، بحيث نصل إلى النظام المرجو. لقد كانت الوزارة جريئة في استخدامها احدث التقنيات والأنظمة وهي تنظم الانتخابات البلدية الأخيرة، ولم تتردد بالاستعانة بخبراء أجانب، ولم تمتنع عن استيعاب تجارب من سبقنا في ركب الانتخابات، فلم لا تفعل الأمر نفسه في قضية اكثر أهمية، ولا تحتمل مزيدا من التأخير؟ ذلك أنها قضية من ذلك النوع الذي لا يتوقف عن النمو عندما يهمل، ففي كل يوم جديد نحتاج إلى مزيد من الشقق، وإذا ابتسم لنا الحظ اكثر، فيخوت لمزيد من المواطنين.

التعليق