قصة بخمسين مليونا

تم نشره في الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

حكاية ادارية مالية روتها الزميلة حنان الكفاوين، مندوبة الزميلة "العرب اليوم" في العقبة، حول طريق رأس النقب- العقبة، التي تعتبر من المفاصل الهامة في الطريق الصحراوية التي تمتد من العاصمة عمان وحتى العقبة، بخاصة بالنسبة للحركة السياحية والتجارية من الميناء الى مدن المملكة.

وقصة الطريق انها خضعت لعملية تعبيد وعمل بكلفة وصلت الى (40) مليون دينار اردني، ولم تمض سوى عدة اشهر على الانتهاء من هذا العمل، وانفاق هذه الملايين، حتى ظهرت لوحات التحويلات على الطريق، تعتذر من مستخدميها، وفقا للعبارة الشهيرة "نعمل من اجلكم ونأسف لإزعاجكم". والسبب ان هذه الطريق قد اصابها العطل والخراب، وتحتاج الى صيانة واعادة تعبيد بكلفة وصلت الى (10) ملايين دينار اردني لا غير!

وكما تقول الزميلة الكفاوين في تقريرها، فإن الشركة او الجهة التي قامت بإنجاز المشروع اوكلت اليها الحكومة الاصلاح بالكلفة الجديدة، دون ان يتم البحث عن الاسباب، او تحميل الشركة المنفذة مسؤولية ما جرى، وهدر جهد قيمته (40) مليونا.

هذه القصة ليست حديثة جداً، لكنها ليست قديمة. والعبرة في غياب الإشراف والمتابعة، وآلية الحفاظ على عشرات الملايين التي تم إنفاقها على مسافة من الطريق لم تصمد امام حركة السير عليها سوى اسابيع قليلة.

وفي السياق الاوسع، فإن مثل هذه القصص لا تتوقف خسائرها عند الملايين الكثيرة التي يتم هدرها فقط، وانما تمتد الى خسائر من نوع آخر، في حركة التجارة والنقل وتنقل المواطنين. وقبل هذا وبعده، فإن هناك خللاً ادارياً كبيراً تتحمله جهة ما، سواء في الشركة المنفذة او الجهة الحكومية الرقابية. والخسارة الأكبر، ان يتم ادارة مثل هذه الملفات دون ان يتحمل طرف المسؤولية، او ان تتوضح الصورة. فالهدر ليس في نفقات صغيرة، او في راتب موظف درجة رابعة، والترشيد ليس في شكليات الامور بل في الملفات الكبرى، التي تحمل الدولة نفقات كبيرة، وملايين عديدة، نحن بحاجة ماسة لها لانجاز مشاريع اخرى في مناطق مختلفة تحتاج الى كل قرش.

وما دمنا في الطريق الصحراوية، فإن لدينا شاهداً من شواهد غياب التوازن والعدالة في الإنفاق بين مدن المملكة، ولدينا طريق القطرانة- الكرك التي تمتد سنوات تعبيدها الى حد قد لا يقل عن حرب البسوس! فالعمل بها بدأ منذ العام 1996 وما زال مستمراً، ويحتاج الى سنوات قادمة لانجاز شارع لا يزيد في حده الاقصى على 30 كم، وربما اقل. وما زالت تنتقل من حكومة الى اخرى، والجميع يشتكي قلة التمويل وضعف المخصصات. وربما لا تكتمل هذه الطريق- بعد عمر طويل- الا وما تم انجازه سابقاً يحتاج الى صيانة، لتباعد السنوات بين اولها واخرها، علماً بأن كلفة المشروع، على مدى اكثر من عشر سنوات، لا تزيد على (36) مليون دينار.

ولو ان نواب الكرك ربطوا منح الثقة للحكومات بإنجاز هذه الطريق لقدموا خدمة كبيرة للمحافظة. إذ لم تستطع كل الموازنات انجاز هذه الطريق، ولم تجد في خطط التنمية، وبرامج التحول، وخلوات الحكومات، والمنح، واموال الخصخصة، ما يجعلها تتحول الى حقيقة خلال مدة معقولة، لا ان تنتقل الطريق من عقد الى عقد، ومن قرن إلى آخر، ومن حكومة إلى اخرى.

بعض القضايا تجري محاكمتها على اساس منهجية التفكير، وادارة الملفات، وآليات الرقابة والمتابعة، وترتيب الاولويات، وهي اختبار للخطاب النظري للحكومات حول ادارة الموارد، وتنمية المحافظات، وتوزيع مكاسب التنمية.

التعليق