أهمية التخطيط

تم نشره في السبت 11 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    دون شك، فإن التقارب الشديد بين شعوب العالم، نتيجة لثورة الاتصالات وقوى العولمة، يخلق فرصا للشعوب المختلفة، لكنه أيضا يخلق تحديات كبيرة. وقد تطور في كثير من الدول المتقدمة التي تستشرف الأحداث نوع من الدراسات المستقبلية، من أجل التعرف، على الأقل نظريا، على كيف يمكن الاستفادة من الفرص الجديدة، ومواجهة التحديات الناتجة عن التغيرات الكبرى.

    في منطقة الشرق الأوسط، تنفرد إسرائيل بكونها الدولة الوحيدة التي تنفق نسبة عالية من إجمالي الدخل الوطني، مقارنة بغيرها، على البحث العلمي. ويساعد إسرائيل في مهمتها هذه وجود جالية يهودية في الشتات، تعمل على إنشاء العديد من مراكز التفكير (Think Tanks) للبحث العلمي، والتي تقدم التوصيات السياسية.

     وفي جلسة عصف ذهني عقدت في واي بلانتيشن، وحضرها أكثر من 20 قائدا اسرائيليا أو يهوديا من الشتات، اتفق المجتمعون على أن اسرائيل والشعب اليهودي واجها تحديات تاريخية كبيرة. ومن التهديدات التي أوردوها يمكن الحديث عن الديموغرافيا، التي هي بنظرنا عامل التهديد الأول، والذي يدفع بالكثير من الاسرائيليين اليمينين الى تقبل فكرة الانفصال عن الفلسطينيين. إذ خلصت هذه الجلسة، التي نظمها معهد تخطيط سياسات الشعب اليهودي، والذي يديره منسق عملية السلام سابقا دينس روس، الى أن الأزمة الحقيقية المستقبلية هي أزمة الهوية في دولة إسرئيل. وبالتالي، يخطط المعهد الى المباشرة بمشروع يعالج هذا التحدي، في عصر تقترب فيه الشعوب من بعضها البعض بشكل أقوى بكثير من قبل.

    الى حد كبير، كانت الهوية، وما زالت، مدخلا مهما في تحديد سياسة إسرائيل الداخلية والخارجية. فلا يمكن تفسير التمييز المقنن في اسرائيل ضد الأقلية العربية، وتبني نموذج الديموقراطية الإثنية، الا من خلال فهم ديناميكية الهوية في اسرائيل. وبنفس السياق، لا يمكن فهم الانفصال المطروح، دون معرفة أهمية الهوية في السياسة الاسرائيلية.

    شكلت أزمة الهوية أحد التحديات الكبيرة التي واجهت مؤسسي دولة إسرائيل، نظرا للتباين الشديد في مركبات المهاجرين اليهود الى فلسطين إبان الانتداب البريطاني. وقد خلص بن غوريون الى ما يسمى بـ"سياسة المملختيون" التي فرضها حزب مباي في اسرائيل، ومفادها أن الهوية اليهودية الرسمية هي القيمة العليا التي يجب أن تنطوي تحتها أي هوية عرقية أو مذهبية أخرى. وقد نجح بن غوريون في ذلك.

    الوضع يكاد يكون مختلفا هذه الايام، خاصة مع الاختراقات الثقافية المتبادلة بين شعوب العالم. ويدرك قادة العالم اليهودي الأمر، ولذلك فقد اجتمعوا في جلسة عصف ذهني لقراءة اتجاهات المستقبل، ووضع تصور استراتيجي لهذه المعضلة الآخذه في التشكل. وبدون أدنى شك، فإن ما يقوم به المعهد هو خطوة صحيحة مئة بالمئة، ويصب في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد.

    الصورة مختلفة في الجهة المقابلة. فالجهد لدراسة المستقبل ووضع تصورات استراتيجية هو أولا مبعثر، وثانيا لا يخلو من الايديولوجيا والتحليل الرغائبي أحيانا. والأدهى من ذلك، أنه على الرغم من معرفة النخب العربية بضرورة إجراء مثل هذه الدراسات، الا أننا لا نرى جهدا حقيقيا على أرض الواقع. ومما فاقم من تردي الوضع، هو أن الدول العربية مجتمعة لا تخصص نسبة معقولة من إجمالي الناتج المحلي للبحث العلمي، ولذك تبقى الجهود المبذولة عرضة للإحباط، أو تلجأ للتمويل الأجنبي، الذي أدانته القوى الرجعية المسيطرة في عالمنا العربي.

التعليق