إبراهيم غرايبة

العرب وعصر الديمقراطية

تم نشره في الاثنين 6 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

 شهدت التسعينيات ونهاية الثمانينيات تحولا ديمقراطيا عالميا يشبه الموجة، واعتبرها البعض  ثورة عالمية ديمقراطية، وهي ما اعتبرها فرانسيس فوكوياما انتصارا نهائيا للديمقراطية الليبرالية والرأسمالية، وتعبر عن نهاية التاريخ.

    ولكن الوطن العربي بقي استثناء من المد الديمقراطي العالمي، ولم تطله رياح التغيير الا على قدر خفيف شفاف يظهر وراءه تسلطا وفردية أخذت أبعادا تراكمية ومؤسسية تجعلها على قدر من الرسوخ والعبقرية يصعب معها تصور تحوله نحو المشاركة العامة.

     فهل الثقافة العربية السياسية تفتقر إلى القيم والمبادئ الديمقراطية بحيث تكون المشاركة والتعددية مطلبا غير ضروري أو ملح لدى الجمهور العربي، أو هي شيء يشبه تربية الطيور النادرة أو جمع الطوابع والتحف الجميلة، أو ما سوى ذلك من الهوايات الأنيقة المعزولة؟ أم أن الواقع العربي الذي كونته عقود طويلة من التسلط والاستبداد أفرز تنشئة سياسية واجتماعية تكدس لدى المواطن العربي قيم الطاعة والامتثال والسلبية؟

     وحتى لا نظلم الخريطة السياسية العربية فقد تحقق منذ التسعينيات قدر من الانفتاح السياسي وهامش ديمقراطي ومجالس نيابية منتخبة أو معينة، ولكنها لا تعد شيئا بالنسبة لما تحقق في جنوب وشرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وبعض دول أفريقيا. بل إن عملية التعددية السياسية التي بدأت في اقطار عربية، مثل الأردن ،ومصر، والجزائر، وموريتانيا، واليمن، لم تحقق حياة سياسية قائمة على التنافس وتداول السلطة وأساليب ممارسة الحكم، ولم تكن العملية الديمقراطية سوى آليات تزيد النخب الحاكمة تسلطا وهيمنة وحداثة. وكانت الانتخابات النيابية دائما عرضة للتدخل والتزوير. حتى إن نجاح سبعة عشر نائبا من المعارضة الإسلامية في مصر من بين أكثر من أربعمائة نائب اعتبر حدثا خطيرا استدعى تدخل أجهزة الدولة وقتل العشرات من المواطنين واعتقال الآلاف، فلم تعد النخب الحاكمة في مصر تطيق وجود اقلية معارضة لا تتجاوز 5% من مجلس النواب.

    وهكذا فإن مجالس النواب المنتخبة والسلطات القضائية (المفترض استقلالها عن السلطة التنفيذية) شكلت غطاء زاهيا وحديثا لانتتهاكات حقوق الإنسان وترتيب التسلط وإحكام تداول السلطة والنفوذ والمال والمصالح . . والعطاءات التجارية. 

    ومررت هذه العملية الديمقراطية بسلام سياسات الخصخصة الاقتصادية وخطط صندوق النقد والبنك الدوليين وما صحب ذلك من آثار إجتماعية وسياسية ليس أقلها تآكل الطبقة الوسطى وسحق الفقراء وحرمانهم من الخدمات والاحتياجات الأساسية وترتيب محكم لانتقال السلطة والمال العام إلى الأبناء والأحفاد والزوجات والاصهار.

    ويتساءل كثير من السياسيين والمحللين هل للولايات المتحدة الأمريكية علاقة بالوضع القائم في الوطن العربي؟ فقد تحقق لها هيمنة سياسية وأمنية وإعلامية واقتصادية وتأثير ثفافي طاغ وشامل فلماذا لم يؤد ذلك إلى انتشار الديمقراطية المفترض أنها من المبادئ الأمريكية التي تسعر لتعميمها، فمن المؤكد أن أمريكا غير متحمسة أو راغبة في ديمقراطية عربية هذا إن لم تكن تساهم في محاربتها أو منعها.

    لقد فرضت أمريكا على العرب سياسات اقتصادية وعلاقات سياسية وفشلت في تحقيق مبادئها الديمقراطية في الوقت الذي نجحت فيه في فرض مواقفها ومصالحها وثقافتها، ولم تكن الديمقراطية وحقوق الإنسان يوما هدفا أمريكيا أو معيارا يحكم السياسة الأمريكية في المنطقة كما كانت التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي وسياسات الخصخصة الاقتصادية وتخفيض أعداد الجيوش العربية والحد من تسلحها.

     ورحبت أميركا بشكل ضمني يقترب من الصراحة من الانقلاب على الديمقراطية في الجزائر وتركيا وباكستان، ولم تظهر أي رد إيجابي نحو التطور الديمقراطي في إيران والسودان، وفرضت التزاما على السلطة الوطنية الفلسطينية هي انتهاك بشع لحقوق الإنسان، مثل إجبارها على اعتقال كثير من المواطنين الفلسطينيين دون محاكمة أو الاستمرار في اعتقال اولئك الذين برأتهم المحكمة.

     ولم تشكل المساعدات الأمريكية إلى بعض دول المنطقة أي دافع للتحول السياسي الإيجابي برغم أن المبادئ التي تحكم هذه المساعدات عند إقرارها في الكونغرس الأمريكي هي أنها مرتبطة باحترام حقوق الإنسان في الدول التي تتلقى هذه المساعدات.

     وبالطبع فإن المشهد العربي لا يخلو من إيجابيات كثيرة تشجع على قيام ديمقراطية حقيقية، فالتطور الإعلامي والمعلوماتي الذي يعتبر من أهم سمات هذه المرحلة كان له تأثير واضح وإيجابي على الوطن العربي والرأي العام العربي، فقد حققت الفضائيات العربية قدرا كبيرا من الوعي والتضامن العربي والعالمي، وصارت المتابعة الإعلامية والحضور في الأحداث واقعا يحسب حسابه ولا يمكن تجاوزه.

    ولكن الوطن العربي يشهد تحولات مهمة منذ عام تقريبا، فالمجتمعات العربية تتحرك بفاعلية أكثر من قبل لتوسعة المشاركة السياسية والعامة والديمقراطية، وهو أمر يمكن ملاحظته بوضح في مصر ولبنان، والولايات المتحدة تظهر منذ مبادرة الإصلاح التي أعلنت عنها في صيف العام الماضي ضغوطا جدية وحقيقية على الدول والأنظمة السياسية العربية لإجراء مزيد من الإصلاحات السياسية، ويمكن ربط هذه المبادرة والضغوط الأمريكية بما جرى ويجري في كثير من الدول العربية، ويبدو أنها أيضا دخلت في حوار مع الحركات الإسلامية، وأعلنت قبولها بالحركة الإسلامية شريكا في الحكم في الدول العربية والإسلامية، وهو أمر بدأ يأخذ أبعادا تطبيقية في تركيا والعراق وفلسطين، كما أجرت ليبيا مصالحة مع الإخوان المسلمين الليبيين، وربما تحذو تونس حذوها، واستخدم الإخوان المسلمون الفضاء السياسي الجديد في الإعلان عن مبادرات إصلاحية سياسية جديدة قائمة على الديمقرطية والحريات، كما في مبادرات الإخوان المسلمين المصريين والسوريين، والبيانات والتصريحات الجديدة للحركة الإسلامية في الأردن، والتي يصعب فصلها عن المبادرة الأميركية حتى مع التصريحات الكثيرة المتوالية لقادة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية عن رفضهم للحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو أن مقولة "البديل الإسلامي" التي كانت تتذرع بها الأنظمة السياسية العربية في سياسات الاستبداد لم تعد مقبولة لدى الولايات المتحدة التي لم تعد ترى في البديل الإسلامي خطرا يجب مواجهته.

    الديمقراطية العربية يجب أن تشمل الحركات الإسلامية في الوطن العربي وبغير من ذلك فإن الإستقرار لن يتحقق، ومشكلة الديمقراطية العربية أنه يراد لها أن تنمو وتكون فاعلة دون مشاركة الإسلاميين، وإذا لم تستوعب الأنظمة السياسية العربية هذه الحقيقة فإنها ستظل تراوح مكانها وتبقى معزولة عن شعوبها في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الشعوب على قدر كبير من الوعي والإطلاع والمتابعة لما يجري وفي الوقت الذي فقدت فيه هذه الانظمة احتكار المعلومات.      

التعليق