ربطات عنق في اليابان وسيارات في الأردن

تم نشره في الأحد 5 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    خلع رئيس الوزاء الياباني جون إيتشيرو كويزومي وبقية الوزراء، الأسبوع الماضي، بزاتهم الرسمية وربطات العنق، وحثوا جميع الموظفين الرسميين على التشبه بهم. الخلع الياباني للملابس الرسمية جاء في سياق الجهود الحكومية للتقليل من استخدام الأجهزة الكهربائية، بخاصة المكيفات في الصيف، والتي تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض. وحملة خلع ربطات العنق هذه تستمر لثلاثة أشهر حتى انتهاء موسم الصيف.

    ماذا ستقرر حكومتنا في الصيف؟ وماذا سيقرر مجلس نوابنا؟ وماذا سيقرر المجتمع المدني، أحزابا ونقابات وجمعيات؟ والقطاع الخاص من شركات ومصارف.. ماذا هم فاعلون؟

    في إطار بعض الظن الإثم، فإن المرجح أن يحتفظ الجميع بربطات عنقهم، وسيضاعفون استخدام المكيفات في سيارتهم ومكاتبهم. فالطاقة المهدورة تلك من جيب المواطن، ولن تسهم في مضاعفة مديونية البلاد، وآخر ما يفكرون فيه هو الاحتباس الحراري، إن كانوا يدركون معناه وخطره!

    فائض الموازنة في اليابان يطفئ ديون العالم العربي كله، والخطوة اليابانية لن تؤثر على فائض الموازنة، لكنها خطوة رمزية تعني أن رجل العمل العام في اليابان يفكر على مستوى الأرض، ويدرك المخاطر التي تهدد البشرية بفعل التطور الصناعي، وهو ما يفضح رجل العمل العام  عندنا، الذي يفكر على مستوى حارته وعشيرته، إن كان من المحافظين التقليديين، وعلى مستوى زوجته وشلة الأصدقاء (التي لا تتعدى الخمسة)، إن كان من الإصلاحيين الجدد!

    نتحدث عن فاتورة نفطية مرعبة، ورجال العمل العام عندنا يشربون البنزين شربا؛ سواء من حيث مشاويرهم الطويلة أو من حيث نوعية السيارات الباذخة، مقدمين نموذجا مشوها للهدر والإسراف. فإضافة إلى أسطول الـ"بي أم دبليو" والـ"مرسيدس" والدفع الرباعي لدى السلطة التنفيذية، سيضاف أسطول جديد للسلطة التشريعية! وطبعا فإن السيارات مكيفة ولا تحتاج لخلع ربطات العنق.

    قرار نواب جبهة العمل الإسلامي، ومعهم عبدالرحيم ملحس وعبد المنعم أبوزنط، وقد ينضم إليهم آخرون، بمقاطعة السيارات الجديدة، قدم رسالة رمزية تشبه رسالة الحكومة اليابانية، رسالة إلى المواطن الذي ائتمن النائب والوزير على المال العام، ورسالة إلى الدول التي تقدم مساعدات، ورسالة إلى الحكومة. فالعين تحدق ولا تستحي عندما يتعفف الفم عن الطعام.

    اتُهم النواب الرافضون بالمزايدة السياسية، لكن هذه هي السياسة. وقد كسبوا جولة على زملائهم وعلى الحكومة، التي لا تستطيع أن تحرم النواب من سيارات تملك أضعافها. وعلى النواب ألا يكتفوا برفضهم، بل عليهم أن يواصلوا تصعيدهم لمحاربة الإسراف الذي يشكل جوهر الفساد وحاضنه. فالمسؤول يسلك الخطوة الأولى باتجاه الرشوة والسرقة عندما تتضخم متطلباته البسيطة، من ربطة عنقه إلى حذاء زوجته..

    يجب ألا نتوقف عند السيارات وربطات العنق، بل يجب أن يعلم المواطن أين يذهب المال العام. وعلى النواب أن يحصلوا على إجابات مقنعة حول إنفاق أموال التخاصية، التي تعادل زهاء المليار دولار، أين أنفقت وكم تبقى منها؟

    خلافا لكل ما قلته، ليرتدوا ربطات عنق، وليركبوا سيارات "بي أم دبليو"،  لكن ليجيبونا عن سؤال أموال التخاصية، التي يفترض ألا ينفق منها فلس إلا بموافقتهم!

التعليق