أيمن الصفدي

وضوح برسم الرسميين

تم نشره في السبت 4 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

ملأ حديث جلالة الملك الى اعضاء في مجلس الاعيان، أول من امس، فراغا دفع القول السياسي الى التصلب، مع تمترس فرقاء السجال وراء مواقف صاغوها في غياب جهد مقنع لتوضيح المراد من مشروع الاصلاح.

واخطأ الرسميون اذ قللوا من حدة التوتر الذي تملّك النخب السياسية، ووجد طريقه الى احاديث مساءات المواطنين، منذ تشكيل عدنان بدران حكومته الشهر قبل الماضي.

فلم يكن مرد تأزم المواقف غياب تمثيل الكرك والبادية من الحكومة فقط، ولم يحتدّ النقاش بسبب زيادة عدد الوزراء من اصل فلسطيني في الحكومة حصرا.

ردة فعل النخب السياسية، ومن بعدها فاعليات سياسية واجتماعية، كوَّنها قلق على مآلات خطوات تنفيذ برنامج سيجذر تغييرات شاملة في المجتمع، من دون تواصل مع الناس، يجيب عن ما يهجسون به من مخاوف وقلق مشروع.

الانطباع الذي ساد هو ان الاردن على مفترق طريقين: واحد يدفع باتجاهه فريق وُسم اعضاؤه بـ"الليبراليين الجدد"، بقيادة وزير التخطيط باسم عوض الله، الذي يُتَّهم بأنه ولَّف برنامجه ليناسب رغبات وضغوط واجندات خارجية. والاخر تتبناهُ قوى رجعية (محافظون)، تريد ان تُبقي البلد اسير ماض ما عاد، كما آليات عمله، يصلحون لتحقيق مصالح الوطن، في عصر لا مكان فيه لمن لم يطور ولم يحدث. فتاه المواطن بين الانطباعين، وحال بينه وبين حقيقة ما يجري ضعف في التواصل، وتذبذب في الرسالة، وغرابة في لغة تسويقها، وعدم معرفة بمُركَّبات مسوّقيها ومآربهم.

المرحلة تستدعي حديثا مباشرا مع الناس، وجهدا مكثفا للحوار معهم. والمرحلة تتطلب تغليف الرسالة ضمن اطر يفهمونها، تواصلا مباشرا يعي مَواطِن وجع الناس ومفردات حياتهم، ويتكلم بها، لا رسائل مغلفة مسبقا لخبراء اتصال وشركات علاقات عامة عبر قطرية، لا يمكن ان تجيد قراءة الاردن حدَّ صياغة لغة مخاطبة مواطنيه في قضايا تلامس عمق شجونهم ورحاب طموحاتهم.

كلام الملك للاعيان اول من امس، ووضوحه ومباشرته برسم مؤسسات الدولة ورسمييها. وعليهم مسؤولية ايصال الرسالة الى الناس، حوارا مباشرا صريحا، يعلن التزام ما اكده الملك، ويقنع المواطنين انهم قادرون على انجاز ما أُوكلوه من مهمات.

وليس هناك حاجة لاعادة رسم ملامح النظام السياسي في الاردن. فملامح هذا النظام راسخة، والدستور ثابت، ويوفر المساحات اللازمة للاصلاح. اما المطلوب فهو تفعيل هذا الدستور وركائزه، تشريعا وممارسة. فتُقوّى المؤسسات لا الاشخاص، ويُحارب الفساد، وتتكرس المساءلة، وتتحقق المساواة بين كل الاردنيين، ويُجذِّر مبدأ المواطنة، ولا تستقوي الحكومة على البرلمان، وتُصان حقوق الانسان، وتكون الوظيفة الرسمية خدمة عامة لا سلطة خاصة، وتُمنح كل كفاءة فرصة الانجاز في آفاق وطن يتنافس الجميع على محبته، ويختلفون على سُبل خدمته، من دون مزاودة من في الموقع الرسمي على من هو خارجه، ومن دون تشكيك في ولاء من قال لا.

هذا هو الاصلاح المنشود. جلالة الملك حدد الرؤية، وتنفيدها مسؤولية الحكومة، ومراقبة التزامها التنفيذ وقدرتها مسؤولية البرلمان. والاخير مَكَّنه الدستور سلطة محاسبة الحكومة واسقاطها ان فشلت في خدمة الصالح العام، وعليه واجب تطوير آليات عمله، مأسسة لمنهجيات محاسبة علمية لا تشوبها شخصنة ولا تحكمها حسابات ضيقة. اذ ذاك يتقدم العام على الخاص، وتتكاثف الجهود لتحقيق الرؤية التي أعاد الملك طرحها اول من امس، وتنطلق مسيرة اصلاح حقيقية لا يحتكر اي طرف حق تعريفها واهدافها.

التعليق