شيمعون بيريز واللغز المكشوف

تم نشره في السبت 4 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

    يظهر شيمعون بيريز، الزعيم الاسرائيلي التاريخي، في الكثير من المحافل الدولية وكأنه "رجل سلام"، لا بل أقام لنفسه مركزا اطلق عليه اسم "مركز بيريز للسلام"، وينجح في استقطاب شخصيات من العالم تلتف من حوله. ولكن الى أي مدى يسعى بيريز الى السلام الحقيقي والثابت القادر على الحياة؟

    في شهر آب القادم سيتم بيريز عامه الثاني والثمانين، ولكن هذا لا يمنعه من مواصلة عمله السياسي، وأي عمل سياسي؟! فهو اليوم يخوض الانتخابات الداخلية في حزب "العمل"، لانتخاب رئيس جديد للحزب لولاية اربع سنوات قادمة، وليقود حزبه في الانتخابات البرلمانية التالية، أي ايضا لولاية برلمانية من اربع سنوات. وتشير استطلاعات الرأي الى تفوق بيريز وفوزه شبه المؤكد على منافسيه.

    ولضمان هذا الفوز، فقد شجع شخصيات في الحزب على المنافسة، وذلك بهدف إنشاء سد منيع في وجه رئيس الحكومة السابق ايهود باراك، كي لا يتمكن من العودة الى رئاسة الحزب. وتشير التوقعات الى ان المتنافسين عمير بيرتس، رئيس اتحاد النقابات الاسرائيلية "الهستدروت"، والوزير متان فلنائي سينسحبان من المنافسة في اللحظة ما قبل الأخيرة ليدعما بيريز، أو انهما سيستمران في المنافسة لدعمه في الجولة الثانية من الانتخابات، إذا لم تحسم في الجولة الأولى.

    ويلوح بيريز في حملته الانتخابية بسلسلة من الخطابات، كل خطاب منها موجه إلى الجمهور الذي أمامه. فإذا كان أمامه عرب فليس لديه سوى الحديث عن السلام مع الفلسطينيين، وعن مساواة في الحقوق لفلسطينيي 48. أما إذا كان جمهوره من اليهود، فهذه مناسبة "لطيفة" ليتباهى فيها بماضيه العسكري، كما حدث في لقاء له مع مؤيديه في مدينة بئر السبع في الأيام الأخيرة، حين تباهى بدوره المركزي والأساسي في بناء مفاعل ديمونة النووي، وراح يشرح كيف ان مئات العاملين عملوا في هذا المفاعل، وحافظوا على السر على مدى سنوات طوال، ومنهم من توهّم ان اسرائيل تبني مصنع نسيج متطور هو الأول من نوعه في العالم!

ومن الأمور التي يتميز بها بيريز، هو انه في جميع حروب اسرائيل كان في دائرة اتخاذ القرار، باستثناء حرب لبنان في العام 1982، ولكنه دعم هذه الحرب بقوة.

    وفي السنوات العشر الأخيرة وقع بيريز في امتحانين كشفا عن جوهر السلام الذي يسعى له مع الفلسطينيين، الأول حين شارك في قيادة حكومة إسحق رابين، وتولى رئاسة الحكومة بعد اغتيال الأخير، ففي تلك المرحلة تقدمت اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية كثيرا في المفاوضات، وكانت ترد في تلك المرحلة معلومات مفادها ان هناك خلافات بين بيريز ورابين، بدعوى ان رابين ذهب بعيدا في اتجاه الفلسطينيين، وان بيريز لم يرض بهذا، وخاصة في ما يتعلق بمنطقة القدس المحتلة.

   وتأكدت هذه المعلومات في صيف العام 2000، خلال قمة كامب ديفيد التي جمعت رئيس الحكومة باراك والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بحضور الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون. ففي اللحظة التي أشيع فيها بأن ايهود باراك وافق على الانسحاب من 96% من اراضي الضفة الغربية، لم ينتظر بيريز الاستيضاح، بل ركض الى الاعلام ليهاجم هذه "النية" المعلنة، وقال بوضوح انه لو كان هو الذي قاد المفاوضات لما كان لينسحب من أكثر من 80% من الضفة الغربية، من دون أي حديث عن مدينة القدس المحتلة واللاجئين.

    أضف الى هذا أن بيريز معروف على الساحة السياسية الاسرائيلية باعتبار أن مشروعه الأول هو الحفاظ على وجوده في حلقة صناعة القرار في اسرائيل، بمعنى الحكومة، بغض النظر عن المكانة. وعلى هذا الاساس جرّ حزبه للائتلاف مرتين في حكومتي ارييل شارون، في الحكومة السابقة التي قاد فيها الحزبان، "العمل" و"الليكود"، العدوان الشرس على الضفة الغربية، وفي الثانية الحالية لتنفيذ خطة الفصل، التي قبل بيريز بأهدافها المبطنة. فمن خلف اخلاء مستوطنات قطاع غزة واربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية، تريد اسرائيل السيطرة كليا تقريبا على الضفة الغربية. ولم يبد بيريز أي تحفظ على كل ما ينشر ويقال على لسان رئيس الحكومة ارييل شارون، وكبار مسؤولي الحكومة في هذا المجال.

    الى جانب كل هذا، فإن فوز بيريز بزعامة حزبه ستوطد من جديد أزمة القيادة في الحزب، وهي الأزمة التي اثقلت عليه، وكانت مساهما اساسيا في تراجع قوة الحزب، من اكبر حزب في اسرائيل على الاطلاق الى الحزب الثاني، بل ان قوته البرلمانية تساوي نصف قوة الحزب الأول "الليكود"، وهذا ما يضمن اختفاء البديل لحكومة "الليكود"، حتى في الانتخابات البرلمانية القادمة، التي قد تجري في غضون عدة أشهر، وأقل من عام.

التعليق