أين كانت الآثار الأردنية قبل أن يكتشفها الرحالة الغربيون؟

تم نشره في الجمعة 3 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

تشير اللوحة الرخامية المثبتة على مدخل قصر عميرة، والتي وضعتها بالتأكيد وزارة السياحة والآثار، أن قصر عميرة الأموي في الصحراء الأردنية قد اكتشفه الرحالة النمساوي ألويس موسيل عام 1898. وفي نشرة سياحية لدائرة الآثار أيضا، فإن الرحالة السويسري بيركهارت اكتشف البتراء عام 1814.

     هل كانت هذه الآثار قبل الرحالة الغربيين مطمورة تحت الأرض لا يعلم عنها احد، ثم جاؤوا بخرائطهم وبعثاتهم وأزالوا عنها الرمال، مثل قبر توت عنخ أمون على سبيل المثال؟ أم أنها كانت في مجاهل شاسعة بعيدة في الصحراء لا يعلم عنها أحد، مثل مدينة إرم ذات العماد، ثم وصلوا إليها وأخبروا الناس عنها؟

      ولا تلاحظ النشرة السياحية التناقض في المعلومة التي توردها حول البتراء. فتذكر أن بيركهارت قد وصل إلى البتراء بمعونة البدو، بعد أن أوهمهم أنه مسلم ويريد تقديم النذور! فهل كان البدو المقيمون في المنطقة، والذين يعتقد أنهم من ذرية العرب الأنباط الذين بنوا المدينة، لا يعرفون شيئا عن المدينة، أم إلى أين كانوا يرشدون بيركهارت؟

      قد يكون الغربيون أحرارا في اعتقادهم أن ما لا يعرفونه ليس مكتشفا، وأن تاريخ وجوده يبدأ باكتشاف الغرب له، وأن ما ليس موجودا في خرائطهم، أو لا يعلمون عنه أو لا يريدون أن يعلموا عنه ليس موجودا في الواقع، ولكن هل يجب أن نعتقد نحن ذلك أيضا؟

هل تعني وزارة السياحة والآثار بالفعل أن قصر عميرة لم يكن معروفا حتى للعرب المقيمين حوله وللعابرين في الصحراء، حتى وهو قائم ببنائه الجميل الفريد ونقوشه ولوحاته التي تغطي السقف والجدران، وأنه كان سرابا أو وهما، ولم يكن ظاهرا للعيان، أو كنا نعتقد أنه كومة من الرمال أو شجرة رتم، حتى جاء موسيل وأخبرنا أنه قصر أموي؟! وهل كانت البتراء قبل وصول بيركهارت في نظر من عرفها قبله قاعا رمليا أو واديا مهجورا، حتى جاء بيركهارت واكتشفنا معه أنها مدينة الأنباط، وأن ما نحسبه مجرد صخرة أو نتوء في الجبل هو معبد كبير، وأن الحجارة في الساحة ليس رجما ولكنها مدرج، وأن القاعات والأديرة ليست كهوفا؟ عجيب! كيف لم نلاحظ الأعمدة والنقوش والتيجان والتماثيل والقصور، هل كنا نحسبها رانات ماء؟ هل تريد وزارة السياحة والآثار أن تقول لنا إننا لم نكن موجودين، أو لم نكن نعلم بوجودنا قبل موسيل وبيركهارت؟ وهل كانت كتب مئات الرحالة العرب، مثل ابن فضل الله العمري وابن جبير وابن بطوطة وياقوت الحموي وابن خردذابة وابن حوقل والمقدسي والنابلسي، هي الأخرى أعمالا مجهولة لا قيمة لها؟  

      يذكر كتاب "من أوائل القرن العشرين" القصة التالية: أرسل مصور صحافي في تركيا إلى صحيفة لندنية صورة بيت تركي بناء على طلب الصحيفة، وكان البيت البرجوازي يبدو في مظهره وأثاثه مثل البيوت الغربية، فأعيدت الصورة إلى صاحبها مع التعليق التالي "الجمهور البريطاني لن يقبل هذه الصورة لحريم تركي".

      تبدو عبارة الناشر البريطاني صريحة إلى درجة الصدمة، لكنها مفيدة في فهم التصور المسبق للقراء، والحرص على إرضائهم أكثر من إعلامهم بحقيقة ما يجري.

لقد حاول الغربيون دائما أن يجعلوا العالم ملحقا بهم، فهم أعادوا اختراع الشرق، لا كما رأوه وعرفوه، بل بما يتلاءم مع أهدافهم وأغراضهم. فالشرق بنظر الأوروبيين، كما تشكل عبر الاستشراق، ليس إلا كما يصفه إدوارد سعيد "خشبة مسرح ملحقة بأوروبا".

      ليست المشكلة الأساسية في الرؤية الاستشراقية التي ترفض الاعتراف بالشرق، ولا تريد أن تراه إلا في منظور رغائبي تخضع له الدراسات والبحوث والأعمال الفنية والتاريخية، ولكن المشكلة أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخر، بل ويصل بنا ازدراؤنا لأنفسنا أن نعتقد أننا ندين بوجودنا للآخر!

التعليق