الأردن مثل أميركا.. وأفضل من بريطانيا

تم نشره في الأحد 29 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

العنوان ليس هلوسة مصاب بجنون العظمة، ولا يتحدث بالتأكيد عن التصنيع العسكري، ولا عن الديمقراطية.. العنوان اقتبسته حرفيا من زميل يعالج ابنه الصغير في مركز الحسين، وقد اكسبه مرض ابنه خبرة في المراكز الطبية في أميركا وبريطانيا وألمانيا والأردن. وفي رحلة الاستشفاء الطويلة اكتشف أن إمكانية تخزين "الحبل السري"، الذي يستخدم في علاج الأمراض المستعصية، موجودة عندنا: "الأردن مثل أميركا.. وأفضل من بريطانيا التي لا تتوافر فيها هذه الإمكانية"! قلت له: هل تجامل؟ قال: "أبدا وأنا مسؤول عن كلامي".

كلفة علاج الطفل قد تصل إلى سبعين ألف دولار، لكن هذه الكلفة، التي تولتها قناة الجزيرة، تظل دون كلفة العلاج والسفر والإقامة في أميركا أو بريطانيا أو ألمانيا. ومع أن القصة مؤلمة، إلا أنها تكشف آفاقا إنسانية لا يلتفت إليها وسط زحام السياسة والحروب، التي تحجب الأفق بلون الدم. فعلاج الطفل من مرضه يعتمد بالدرجة الأولى على زراعة النخاع الشوكي، والذي يعتمد بدوره على "الحبل السري" أو "حبل الحياة"، الذي يمثل دما مسفوحا بلا قيمة، مع أنه لا يمنح الحياة للجنين وحسب، بل لغيره من المرضى الذين لا علاج لهم بغير هذا الدم المهدور! طبعا ثمة تعقيدات طبية ترتبط بكل حال على حدة، لكن المؤكد أن "حبل الحياة" الذي مده الخالق الرحيم للجنين وهو في ظلمات الرحم، من الممكن أن يمد مرة أخرى لينتشل مريضا من ظلمات الموت والعجز.

ثمة عشرات، وربما مئات من قصص النجاح الطبية في الأردن لمرضى واجهوا أمراضا مستعصية، فضلا عن آلاف من قصص العلاج لمرضى عاديين، تجاوزت كل إحباطات  السياسة العربية. ففي ذروة الخلاف بين عمان وبغداد، والذي وصل إلى مرحلة سحب السفراء، كان مئات من المرضى العراقيين يعالجون في الأردن. وهذا لا يعني بحال غض النظر عن أخطاء بعض القطاع الطبي في التعامل مع  المرضى العرب، لكن في المجمل ثمة قاعدة صلبة يمكن البناء عليها، وهي بقدر ما تعبر عن قيم إنسانية، فإنها تشكل رافعة اقتصادية من خلال السياحة العلاجية.

فالذين يعتقدون أن من الممكن للأردن منافسة بلدان أخرى في مراكز المساج  واهمون، لكنّ من يعتقدون أنه ينافس أميركا وبريطانيا في مراكز القلب والسرطان والعيون و... واقعيون. وهذا يتطلب ثورة تشريعية في القوانين والأنظمة الطبية. فعلى سبيل المثال، فإن الطبيب الأردني الذي يتخصص في مايوكلينك، ويأتي للعمل في المستشفيات الأردنية عليه أن يقدم امتحان التخصص الأردني! وهذا ما حال دون عودة كثير من الأطباء، في مختلف التخصصات، إلى الأردن. فلا يعقل أن لا نعترف بالتخصص الأميركي أو البريطاني في الطب بينما نعترف بتلك التخصصات في التاريخ والسياسة وسائر العلوم. هذا مجرد مثال على تخلف التشريعات الطبية، وثمة الكثير غيرها.

المسألة الطبية في جوهرها إنسانية، "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا". فوظيفة السياسة داخليا وخارجيا هي منح فرص الحياة ومنع فرص الموت. وحقوق الإنسان تبدأ من حق الحياة. فإنقاذ حياة طفل لا تقل أهمية عن حق الكبير في التعبير السياسي، وعندما يشعر مواطن أن الدولة أنقذت حياة طفله يغدو منتميا، والعكس صحيح. لذلك، يمكن ربط الولاء بتقارير التنمية الإنسانية، فمعدل وفيات الأطفال لا يقل أهمية عن وفاة الكبار تحت التعذيب.

من حسن حظنا أننا في الأردن نحظى بموقع متقدم في معدل وفيات الأطفال، ومع ذلك، وإن كنا أفضل من بريطانيا في تخزين "حبل الحياة"، إلا أننا دونها في معدلات وفيات الأطفال والكبار، لذلك تجد البريطاني أكثر انتماء من غيره.

التعليق