قوات الاحتلال في العراق بين الفعل ورد الفعل

تم نشره في الخميس 26 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

حين زارت وزيرة الخارجية الأميركية العراق مؤخراً، متدرّعة بسترة واقية من الرصاص وخوذة فولاذية، ركّزت في جميع أحاديثها على ضرورة أن يكون لـ"السنّــة" دور فيما أسمته "العملية السياسية الجارية"، دون أن تنسى الإشادة بما تقوم به قوات بلادها في العراق. ولم يكن ذلك أمراً مستغرباً، فقد سبقها اليه وزير الدفاع، دونالد رامسفيلد، الذي قام بزيارة إلى العراق لم يعلن عنها الاّ بعد مغادرته، وقيل يومها أنه التقى قيادات بعثية في الأسر، في محاولة للتفاهم حول التخفيف عنهم، وإعادة النظر بمسألة اجتثاث البعث، مقابل وقف العمليات العسكرية التي تـُشنّ ضد جنود الاحتلال.

وقد تزامن هذا الحراك الأميركي مع تصريح الجنرال كيميت، نائب قائد المنطقة الوسطى، الذي قال إن انهاء المقاومة قد يستغرق عشر سنوات في المتوسط، وهو ما ترافق مع ما أورده الجنرال مايرز، رئيس هيئة الأركان الأميركي، في التقرير الذي قدّمه قبل نهاية خدمته في شهر أيلول القادم، من ان الحرب على العراق "بددت القدرة العسكرية الأميركية"، وأن أية حرب جديدة "ستستغرق زمنا اطول، وتحتاج الى موارد إضافية"، وأن "الاميركيين غير راغبين في الانضمام الى الجيش بعد حربي أفغانستان والعراق". واعترف بأن البنتاغون فشل في تجنيد الأعداد المطلوبة للانضمام إلى الجيش، وان قوات الاحتياط قد انخفضت بنسبة 21%، وأن فاعلية بعض القوات انهارت بنسبة 16%.

أليست هذه مؤشرات واضحة على أن الورطة الأميركية في العراق يزداد حجمها مع تعاظم الخسائر البشرية والماديّـة، إذ تشير آخر الاحصاءات الرسمية الأميركية (التي لا يوثق بمصداقيتها بالضرورة) إلى أن 1623 جندياً أميركياً قتلوا منذ بداية الحرب، وان 12500 جندي جرحوا، نصفهم يعانون من إصابات خطيرة قد تفقدهم القدرة على العودة مجدّداً إلى ميدان القتال. أما على الصعيد المادي، فقد وافق الكونجرس مؤخراً على تخصيص مبلغ 82 مليار دولار إضافية لدعم الحرب في العراق وأفغانستان، من جيوب دافعي الضرائب الأميركيين.

لقد تصاعدت أعمال المقاومة العراقية بصورة ملحوظة بعد الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة العراقية، واتخذت هذه المقاومة اشكالاً وحجوما متنوعة، تدلّ على مقدرة وتمكـّن، مما دفع قوات الاحتلال إلى شنّ حرب مواجهة حقيقية ضدّها في "القائم"، لم تحقق أهدافها بعد اكثر من اسبوع من القتال الضاري، شانها شأن الهجمات التي شنت وتشن ّعلى الفلوجة وسامراء والموصل وبغداد والرمادي.. ولم يعد بإمكان الاحتلال أن يقنع احداً بأنه يواجه "تمرّداً" أو "إرهاباً" أو "مسلحين جاؤوا من خارج العراق". وبات المواطن العراقي قادراً على التمييز بين أعمال المقاومة المشروعة للمحتل، وبين الأعمال الإرهابية والاجرامية التي ترتكبها جهات مشبوهة، أو عصابات تستغل حالة الانفلات الأمني والفوضى الشاملة. ولولا حماية العراقيين للمقاومة واحتضانها، لما تمكـّنت، طوال العامين الفائتين، من ان تواجه اعتى قوة عالمية، وان تستمر وتتصاعد بصورة مذهلة. لقد اجبرت المقاومة، بكفاءتها العالية وقدراتها المنظمة، قادة الاحتلال على التراجع عن تصريحات سابقة، أفادت بامكانية القضاء على المقاومة نهاية العام الجاري. فباتوا أقلّ عنجهية وأكثر واقعية وهم يعترفون بان الحرب طويلة الأمد، تماماً كما حدث معهم خلال حرب فيتنام.

هذا الواقع العنيد، هو الذي دفع الاميركيين إلى التوجه نحو البحث عن وسائل للتفاهم مع اطراف من المقاومة، وإلى الحوار شبه العلني مع قوى اسلامية ما تزال الادارة الاميركية تتهمها بالإرهاب... ليس في العراق وحسب، بل وأيضاً في لبنان وفلسطين ومصر وربما في أماكن اخرى من الوطن العربي. كما أنه هو الذي جعل عتاة المحافظين الجدد في الإدارة الاميركية، مثل رامسفيلد ورايس، يبحثون عن صيغة لإشراك السنـّة في صياغة الدستور، وفي الانتخابات التشريعية المزمع اجراؤها بعد إقراره.

لكنّ هذا ليس الا ّ جزءا من المشهد، إذ من البدهي أن تلجأ الادارة الأميركية في محنتها هذه إلى الأساليب الاستعمارية المعروفة، والمتمثلة في بث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وإذكاء نار الفتنة الطائفية بينهم. وسواء كانت وراء اغتيال الشيخ حسن النعيمي، عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين، واغتيال الشيخ محمد العلاق، ممثل السيستاني في مدينة الصدر، أو لم تكن، فإن جرائم كهذه لا تصبّ الاّ في طاحونة الاحتلال، ولا تخدم الا ّ هدف تسعير الصراعات الداخلية مهما كان نوعها، وتحويل النار باتجاه آخر، غير قوات الاحتلال ومناصريها. 

أما القول بأن القوات الاجنبية لم تعد قوات احتلال منذ أن تشكلت حكومة محليّة، وأنها سوف تنسحب حين تصبح القوى المحلية قادرة عى ضبط الاوضاع الأمنية، وحين تطلب منها الحكومة ذلك، فهو قول مجافٍ للحقيقة ولطبيعة الاحتلال وأهدافه. فقوات الاحتلال ما تزال المسيطرة على الشؤون السياسية والعسكرية والأمنية، وهي لم تدخل العراق لتنسحب منه دون تحقيق أهدافها. ولا شك بان الادارة الأميركية باتت تتحرّق شوقاً لليوم الذي تقوم فيه قوات محليّة موالية لها بالتصدي لهجمات المقاومة نيابة عنها، فتتجنب الخسائرالبشرية والمادية الفادحة التي تمنى بها، وتتفرّغ لأهدافها الاخرى المتعلقة بثروات عراقية، وتحقيق استراتيجيتها بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط برمتها، كي تبقى القوة الوحيدة المهيمنة على العالم، مع الاحتفاظ بقواعد عسكرية ضخمة في العراق، بدأت بانشائها منذ الايام الأولى للاحتلال .

التعليق