دليل الجيل

تم نشره في الخميس 26 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

    يتوزع العرب الذين عاشوا "التاريخ العربي المعاصر" إلى ثلاثة أجيال، طُبعت كلها بالانكسار والهزيمة، وهي: الجيل الأول الذي شهد هزيمة عام 1948 واحتلال فلسطين، والجيل الثاني الذي عاش هزيمة عام 1967 التي وقعت في قمة الزهو الناصري، والجيل الثالث الذي شهد انكسار الجيش العراقي، الذي هو أقوى قوة عسكرية عربية معاصرة، عام 1991 وصولاً إلى احتلال العراق عام 2003 (رغم معارضتنا لاستعمال هذا الجيش من قبل صدام حسين لاحتلال الكويت، والحديث هنا باعتبار أن الاعتداء على الجيش العراقي كان سيقع أياً كانت الأسباب التي ستساق لتبريره).

    بين كل واحدة من تلك الهزائم والتي تليها ما يكفي من السنوات لظهور جيل جديد. فالذين شهدوا احتلال فلسطين، وكانوا وقتها شباناً، هم بالتأكيد آباء العرب الذين كانوا في شبابهم في حزيران 1967، ثم هم أجداد الذين كانوا شباناً وعاشوا انكسار الحلم مع الجيش العراقي، الذي قيل أنه مسلح بأسلحة غير تقليدية!

    لكن، ورغم أن الأجيال العربية الثلاثة هذه طُبعت حياتها وتكوين أفرادها النفسي بالشعور بالهزيمة المزمنة، والانكسار الدائم أمام الأجنبي، إلا أنه يُلاحظ أن كل جيل عاش إلى جانب "الهزيمة الكبرى" نصراً ما أيضاً، لكنه نصر لم ينجح في التسلل إلى النفسية المهزومة، لأنه ظل أقل من الهزيمة، ولم يستطع، في أي من الحالات الثلاث، أن يُعيد تشكيل التاريخ العربي أو أن يغير مساره، الذي ما يزال ينحدر، للأسف، نحو الهاوية.

    فهزيمة عام 1948، لحقتها حرب السويس عام 1956، والتي خرج منها عبدالناصر منتصراً من الناحية السياسية، وهو ما أدى وقتها إلى زيادة نفوذه المعنوي في الشارع العربي، وارتقائه إلى مرتبة "الأسطورة". ورغم أن حرب عام 1956 رفعت معنويات العرب، وجعلتهم يرون النصر ممكناً ومتاحاً على إسرائيل، إلا أن ذلك النصر السياسي لم يغير من الناحية العملية الطابع الأساسي للتاريخ العربي وقتها: الهزيمة.

    وهكذا، كانت هزيمة عام 1967، التي ضاعت فيها أجزاء مهمة من أراضي الدول العربية المتاخمة للدولة الإسرائيلية. تلك الهزيمة تلتها بعد سنوات قليلة حرب عام 1973، التي يمكن القول إن العرب انتصروا فيها عسكرياً، لكنها لم تنجح كما هو معلوم في تغيير طابع الانكسار العربي، لأن إسرائيل استفادت منها أيضاً. إذ حققت بعدها مكاسب سياسية كبيرة، ليس أقلها الاعتراف بها ككيان قائم على الأرض العربية، ابتداءً من كامب ديفيد، هذا إضافة إلى أن الانتصار العسكري استُعمل سياسياً أيضاً من قبل السادات، ولم يوظف كدليل للتحرير، حتى قيل إن حرب عام 1973 كانت حربا تحريكية لا تحريرية.

    الانكسار التاريخي للجيش العراقي أمام الإمبريالية الأميركية في الحرب الممتدة بين عامي 1991 و2003، تبعه النصر المهم للمقاومة اللبنانية وتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، لكن هذا النصر المهم، هو أيضاً، لم ينجح في تغيير طابع الهزيمة الذي ما يزال يطبع حياة العرب اليومية، خاصة وأنه جاء في ظل الحرب على العراق، والتي انتهت بالهجوم عليه عسكرياً بعد ذلك التحرير بثلاث سنوات، واحتلاله.

    نقول هذا عن نصر المقاومة في جنوب لبنان، رغم أنه الوحيد في التاريخ العربي المعاصر الذي يمثل نصراً حقيقياً بالمعاني السياسية والعسكرية كلها، في الوقت الذي تمر فيه هذه الأيام ذكراه الخامسة دون أن يتحول دليلاً لجيل الهزيمة العربي الثالث. لقد كانت السنوات الخمس الماضية كافية لذلك النصر لكي يتسلل إلى معنويات العرب وروحهم، لكنه للأسف لم ينجح في ذلك، وظل العرب يعايشون الانكسار ويتعايشون معه.

    لم ينجح أي واحد من الانتصارات العربية "الصغيرة" الثلاثة، إذن، في التفوق على الشعور بالهزيمة لدى العرب، وكأنها أحداث تقع على هامش التاريخ لا في صلبه، فهل سيتعلم العرب الدرس أم يستمر "دليل الجيل"، متمثلاً بالهزيمة، على حاله لدى الأجيال التالية أيضاً؟! سؤال تبدو إجابته محسومة ما دام الحاضر هو ما يُنبئ بالمستقبل!

التعليق