اكتشاف أميركا

تم نشره في الثلاثاء 24 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

   الكثير من حبر المطابع وخلاصات الأفكار تراق في الصحف العربية على ما يمكن أن يقال للأميركيين، وهم لا يسمعون ذلك بالضرورة! ومن الأجدى أن نحاول بدلا من ذلك بذل الجهد في تحديد ما الذي يفكرون فيه، وهذا يتطلب عكس كل معادلات التعاطي مع الولايات المتحدة، ويتطلب أيضا فهما أعمق لأميركا، هذا العالم الجديد الذي كان يفصلنا عنه أطلسي سرعان ما تبخر عام 2001.

    مفاتيح الفهم الأميركي لا تبدأ من كتب التاريخ ولا أفلام هوليوود، ولا يمكن اعتبار بعض العلاقات رفيعة المستوى مع دبلوماسي هنا أو هناك مبررا يكفي للادعاء أن فهم أميركا علم تم ختمه! فمفاتيح هذا الفهم تبدأ من دراسة تفاصيل حياة الأميركي العادي، وتحويل فعل الدهشة من عادياته اليومية إلى أسئلة يتم البحث عن إجاباتها، في كل ما سبق ذكره من طرق تقليدية. فهذا عالم جديد بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا يزال بحاجة إلى الاكتشاف من جديد.

     الأسئلة التي تولدها الدهشة من هذا العالم ربما تكون بداية جيدة. فبعد أيلول الدامي عام 2001، تبرع الأمير السعودي الوليد بن طلال بمبلغ عشرة ملايين دولار لمدينة نيويورك، وكان تبرعا سخيا تحتاجه المدينة التي جرح كبرياءها ثري سعودي آخر!

     عمدة نيويورك، جولياني، الذي حولته أحداث أيلول إلى نجم أشبه بنجوم السينما، وبطل شعبي، رفض التبرع السخي بجلافة، وأعاد الشيك إلى الأمير السعودي غير شاكر ولا آسف! فلماذا يا ترى؟

     بعد عامين تقريبا، تبرع الوليد بن طلال بنفس القيمة للجامعة الأميركية في القاهرة لإنشاء قسم خاص بالدراسات الأميركية. كان التبرع يحمل حكمة أكثر فائدة. وربما في قسم كهذا نجد الإجابة ذات يوم عن السؤال الأول، وعن إجابات عديدة لأسئلة حملتها أحداث مطابقة في الموقف، كرفض جولياني نفسه عام 1995 حضور الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حفلا موسيقيا في الـ" فيلهارمونيك"، القاعة النيويوركية الشهيرة، رغم أنه كان حينها ضيفا عزيزا على الرئيس كلنتون نفسه! والسؤال المتولد هنا، لماذا لم يستطع رئيس الدولة الأعظم في العالم أن يفرض إرادته على مجرد رئيس بلدية؟!

    سؤال آخر: في التاريخ الأميركي أحداث شكلت، في المحصلة، عصب التكوين البنيوي لأميركا الحديثة، ومن ضمنها حركة تحرر "الأفرو-أميركان" (السود). فقد كانت هذه الحركة ولا تزال قوية ومؤثرة، ولها نضالاتها، وتضحياتها، ودماؤها التي شكلت جرحا مخجلا في بعض مفاصل التاريخ الأميركي، فلماذا نجد في واشنطن العاصمة أهم متحف في العالم يجسد محرقة اليهود في الرايخ الألماني ولا نجد متحفا يجسد تاريخ العبودية في أميركا نفسها؟

لأن التاريخ الأميركي المحلي يحب ويعشق التركيز على البطولات، ويحذف تلقائيا وذاتيا من ذاكرته الجمعية سلبياته، مثل فيتنام أو اضطهاد السود، وغيرهما.

    وهل تساءلنا يوما لماذا الأميركيون وحدهم، دون شعوب العالم الناطقة بالإنجليزية، يستعملون مفردة التاريخ رديفا للعدم (you are HISTORY man)! حتى في الفلسفة، هناك وجهة نظر أميركية، بعكس العالم كله، تنتهج تدريس هيغل وماركس ونيتشة كفروع أكاديمية في أقسام الفنون، أو في احسن الأحوال في أقسام الأدب، وليس في أقسام الفلسفة، التي تقوم بتدريس هنري كيسنجر!

     سؤال أخير في سلسلة لا تنتهي من الأسئلة: في استطلاع قبل سنوات قليلة، تبين أن أكثر من 75% من الشعب الأميركي لا يعرفون من هم قادتهم في واشنطن، وبالنسبة لأغلبهم، فإن "ديك تشيني" اسم يشبه اسم مقدم نشرة الطقس على التلفزيون! كيف إذن يمارس الأميركيون الديمقراطية، ويمكن اعتبارهم مشاركين في صنع القرار؟

      الجواب ببساطة، أن الأميركي لا يحب أن يدرك أن هناك عالما خلف محيطيه، الأطلسي والهادي، وهو غير مهتم أصلا إلا بهمومه اليومية، والسياسة لديه هي تلك المتعلقة بالضرائب، أو مكافحة جرائم الشوارع، أو قضايا تلوث بيئي من مصنع ما في الجوار.

     معظم الأميركيين لا يقرأون واشنطن بوست، ولا نيويورك تايمز التي يزعم قراءتها كثير من المثقفين العرب. وشبكة "سي إن إن" الحيوية لمن يراقب من الخارج، لا تعني الأميركي، وهي أصلا غير متاحة له بسهولة. وبالنسبة للمهتمين منهم بأخبار هذا العالم الذي يقبع خلف المحيطين، فإنهم يكتفون بتجرع وجبة أخبار دولية مدتها ثلاث دقائق مع إفطار الصباح، الذي يستغرق دقائق أكثر! وبعد تلك الأخبار المعلبة باحتراف في ثلاث دقائق، هناك ساعات طويلة من أخبار الطقس، وبطولة رجل مطافئ في إنزال قطة عالقة على عمود، أو موضة هوليوود، وتغطيات لجريمة قتل ما في ولاية ما مجرمها لا يزال طليقا، بينما ساعات البث محجوزة لمحللين في علم النفس، يسبرون أغوار هذا المعتوه الطليق!

      هذه حياتهم، وهذا نمطهم، فلندرسه، ولنعتد عليه كواقع معيشي لهم، ثم فلنفكر كيف يمكننا يوما ان نتسلل، ولو لحظة بث واحدة، خلف مذيع النشرة الجوية، أو في ثنايا تحليل عالم النفس، أو حتى في تطريز تصميمات الأزياء، لنعرض رسالة، ولنقذف برقية دعوة للتفكير لإجبار "بوب" الجالس أمام الشاشة بهدوء أن يفكر في ما يكمن خلف المحيط.

     بوب هذا الجالس، هو أكثر من 200 مليون أميركي، يعتقدون بسذاجة أننا نكرههم! وبوب هذا هو ذاته الذي يقف كل أربع سنوات ليقذف في وجوهنا، من داخل صناديق الاقتراع، إدارة جديدة، وربما حروبا جديدة، ويعود إلى بيته مطمئنا أن العالم يعيش بسلام!

التعليق