ديمقراطية اجتماعية لترشيد العولمة الاقتصادية

تم نشره في الثلاثاء 24 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

الديمقراطية الاجتماعية تعني تمكين المجتمعات من تنظيم نفسها، وإدارة مواردها وحقوقها واحتياجاتها الأساسية، والقدرة على التأثير والمشاركة في الحكم، على النحو الذي يوسع خياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويجعل مؤسسات الحكم والإدارة أمينة وقادرة على التعامل مع التفويض الذي منحه المواطنون لها للتصرف بالموارد والضرائب العامة، وفق مصالح المواطنين واتجاهاتهم، ويمكنهم من تحقيق توازن مع السلطات والمؤسسات، ومن محاسبة هذه المؤسسات، ومراقبتها، وتوجيهها، وعزلها إن لزم الأمر.

لقد نشأت في السنوات القليلة الماضية تحولات وتحديات وفرص كبيرة وجديدة، تضيف إلى ضرورة وجود مجتمعات فاعلة وقادرة على تحقيق توازن عادل، يحمي الديمقراطية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين،ويعطي أهمية قصوى لمصير الاحتياجات والحقوق الأساسية؛ كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، والعمل والسكن، والانتماء والمشاركة، والثقافة الوطنية والمجتمعية.

ومن أهم هذه التحولات تغير دور الحكومات والدول، وإسناد كثير من الخدمات الأساسية التي كانت تؤديها الدولة، مثل التعليم والصحة والاتصالات والبريد والمياه والكهرباء، وإدارة موارد الدولة، إلى شركات استثمارية، يجعل من هذه الخدمات سلعة تجارية لا تتاح إلا لمن يقدر على دفع ثمنها، وتعصف أو تهدد كثيرا من مؤسسات ومكتسبات الرعاية الصحية والاجتماعية، لا سيما لفئات من المواطنين تحتاج إلى رعاية فائقة وخاصة، مثل كبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، والفقراء، وسكان المناطق البعيدة، والتجمعات قليلة العدد من السكان، التي لا يحقق توفير خدمات أساسية لها؛ كالبريد والكهرباء والاتصالات والمياه، عائدا ربحيا.

 وفي الوقت نفسه، فإن التحولات والتغيرات العالمية، القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات والطبقة الوسطى فرصا جديدة، تجعلها قادرة على التحرك وفرض إرادتها.

وتتكون اليوم أدوات جديدة لفهم المجتمعات، واستقرارها، وتسييرها، تختلف عن السيطرة والتفاهم مع النخب والقيادات السياسية والاجتماعية ورشوتها. فالمعرفة المتاحة، والشبكة الإعلامية والمجتمعية والاقتصادية الناشئة تغير كل شيء في حياة وعلاقات الناس والمجتمعات والدول.

وهي بالمناسبة موجة لم تصنعها الولايات المتحدة، وإن كانت تحاول فهمها وتوظيفها والتكيف معها. وحتى لا نكون كمن يلعب في الوقت الضائع، أو نتهرب من مواجهة الموجة القادمة، فإننا نستطيع استباق الخسائر وتحويلها إلى مكاسب عظيمة، وما نحتاجه هو أن نبدأ فورا، قبل ضياع الزمن الغالي، بالسؤال المؤدي إلى الفهم، والاقتراب من التفاعل مع اللحظة، فما يجري في العالم حولنا ليس بعيدا عنا.

كيف يكون الإصلاح حالة مستمرة ودائمة لا يمكن التراجع عنها؟ كيف يمكن حماية الديمقراطية من مزاجية النخب والحكومات ومصالحها؟ وكيف تتحول من هبة تمنح إلى عقد اجتماعي، ومنظومة من المصالح والعلاقات، وشبكة مجتمعية، ومرجعية حاكمة للمجتمع والدولة؟

الديمقراطية الأردنية ما زالت فوقية تتدافع حولها النخب السياسية، وليست عقدا اجتماعيا تقوم عليه مصالح والتزامات الحكومات والمجتمعات والمؤسسات، وهذا سيجعلها فوقية خاضعة لمصالح النخب السياسية، ويعطيها فرصة تصميمها وضبطها والسيطرة عليها وتوجيهها وإجهاضها وخنقها.

وحتى تترسخ الديمقراطية والإصلاحات المرغوب بها فإنها تحتاج أن ترتبط بها مصالح الناس واحتياجاتهم وحقوقهم الأساسية؛ كالعمل والتوظيف، والعطاءات والعقود، والتعليم، والإسكان، والانتماء، والمشاركة، والضرائب، والأجور، وتنظيم المهن وتطويرها، والقضايا والتجمعات العمالية، والمشروعات والاستثمارات التعاونية، والنفع العام، وتنيظم المجتمعات في مواجهة الشركات وفي مواجهة السلطة.

فالإصلاح تنشئه منظومة اجتماعية، وشبكة من العلاقات والمصالح. والديمقراطية تترسخ وتزدهر بتنظيم المجتمعات على أساس أهدافها المباشرة والعملية. والانتخابات والتشريعات يجب أن تعكس المصالح والثقافة الراسخة في المجتمع والدولة.

إن هذه الرؤية تحاول أن تحفز النقاش والتفكير للاقتراب أو الوصول إلى مشروع وطني، يعمل على إعادة تنظيم المجتمعات على أساس حماية مصالحها، ويؤسس لثقافة مجتمعية وطنية تعكس الاحتياجات الإصلاحية والتنموية والتحولات الكبرى الجارية في العالم والأردن بالطبع، والتي تغير من أدوار وطبيعة أدوار المجتمع والدولة، وتنشئ أيضا دورا جديدا متناميا وواسعا للمجتمعات وللثقافة المجتمعية في العملية الإصلاحية والتنموية، والتي لم تعد اكتشافا نخبويا أو نضاليا، ولكنها تحولت إلى موجة مجتمعية عالمية، لا تستثني مجتمعا أو بلدا في العالم.

وهي حالة لا تنتظرنا حتى نستعد لها، كما أن تجاهلها ونسيانها سيضعنا بعد سنوات قليلة أمام استحقاقات وتحديات كبيرة جدا، قد تعصف بكثير من المنجزات التنموية والإصلاحية.

كيف ستتدبر المجتمعات شؤونها بعد فترة من الزمن حين لا يكون هناك وزارات للثقافة والإعلام والتعليم والزراعة والصحة وسائر الخدمات؟ كيف ستواصل المجتمعات العمل الثقافي ورعاية الحركة الثقافية بعد وزارة الثقافة؟ وكيف ستحافظ على الغابات وتنميها في غياب وزارة الزراعة ودائرة الحراج؟ وكيف ستتدبر التعليم الجامعي والثانوي عندما يتحول إلى خدمة تجارية تقدمها شركات استثمارية؟ هناك عشرات بل مئات الأسئلة تتعلق بمصالح بعيدة المدى يجب الاستعداد لها، وتأهيل المجتمعات لتكون قادرة على إدارتها وتنظيمها بدون رعاية أو دعم من الحكومات.

تحتاج المجتمعات إلى أن تنظم نفسها على نحو يمكنها من مواجهة الشركات التي تدير احتياجاتها الرئيسية. فحين تسهل الحكومة للمستثمرين امتلاك البنى الأساسية للدولة وإدارتها واستثمارها، فإن المجتمعات تحتاج إلى أن تنظم نفسها على نحو يعينها على الضغط على هذه الشركات والاستثمارات، لتحصيل وحماية حقوقها، وأجزاء من الأرباح التي تجنيها، ويجعل التشريعات التي تنظم العمل والعلاقة بين العمال وأصحاب العمل عادلة في توفير الأجور والرعاية والضمان والتظلم والسلامة.

وتحتاج المجتمعات إلى أن تدفع الحكومات إلى إعادة توجيه الإنفاق وإدارة الموارد التي تجمعها من الضرائب باتجاه يرفع من مستوى المعيشة للفقراء في المجتمع. فإذا كان الإنفاق العام في بلد ما يشكل 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت نسبة الفقراء في هذا البلد تساوي 20%، وتنال 5% من الدخل، وهذه أرقام واقعية -فقد أظهر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية أن الجزء الأكبر من الموارد يوجه لتحسين معيشة الفئة الغنية في المجتمع فقط- فإن إعادة تخصيص ما يقارب 10% من الموازنة لهذه الفئة ستزيد دخلها بمقدار 50%.

المجتمع الأهلي الحيوي والقوي والفاعل، والذي تنسق حراكه طبقة وسطى ممتدة ومبادرة، لا أحزاب ومنظمات ونخب متداعية ومعزولة وآيلة للانقراض، وأنشأتها ظروف واعتبارات لم تعد موجودة، هذا المجتمع هو القادر على التعامل الصحيح مع العولمة، وتغيير مفهوم ودور الدولة.

والأردن يملك طبقة وسطى واسعة وممتدة، تؤهله لإنشاء شبكة من البنى الأساسية للحكم والإدارة والتنظيم، تكون قادرة على التحول والتحرك باتجاه أهداف المجتمع وأولوياته واحتياجاته الأساسية، لكن ما ينقص هذه الطبقة الوسطى إعادة تنظيم شبكية ومجتمعية (وليس منظماتية ومؤسساتية أو حزبية) على نحو يدرك المصالح البعيدة والقريبة المدى.

التعليق