الأجندة الخاطئة بين الحكومة والنواب

تم نشره في الاثنين 23 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

     بدأت حكومة الدكتور عدنان بدران عهدها، وهي تواجه عقدة ثقة نيابية أسقطت منذ الساعات الأولى الفرحة الحكومية، وفتحت الباب على مواجهة شبه محسومة إذا ما جازفت الحكومة بطرح بيانها الوزاري لنيل الثقة على أساسه عند انعقاد الدورة الاستثنائية لمجلس النواب.

       وبصرف النظر عن المماحكات الدستورية حول قانونية أو عدم قانونية طرح الثقة في هذه الدورة الاستثنائية، فإن الاستحقاق الدستوري عاجلاً أو أجلاً سيكون مؤشراً قوياً لجهة تبلور العملية السياسية في الدولة الأردنية. ويعتقد بعض المحللين السياسيين أن جبهة معارضة النواب ألـ (45) والمرشحة للزيادة أو النقصان هي أبعد ما تكون عن روح المعارضة السياسية الحقيقية, إذا علمنا أن غالبية هؤلاء النواب هم تقليدياً نواب محافظون سياسياً, ومن الذين يُعَدّون في خانة الانسجام مع الحكومات, وعليه فإن معارضتهم غير المسبوقة على هذا المنوال ليست أكثر من حالة حرد حقيقية تناور على الهوامش والأطراف في القضايا الوطنية, وهي ابعد ما تكون عن تيار جبهوي, أو كتلة معارضة سياسية مؤطرة تطرح قضايا في العمق والجوهر, وتضع يدها على الأجندة الساخنة والحيوية التي تهم الدولة والمجتمع.

       المعارضة النيابية التي تلوح قبضتها في وجه الحكومة خرجت من الرحم التقليدي للموالاة المعروفة لديها وانتبذت لنفسها مكاناً ما، ولكنه على مقربة من الحكومة كي لا تقطع سياسياً معها, وما يطمئن الحكومة البراغماتية أن هذه المعارضة مشبعة بروح البراغماتية أيضاً.

        في كل صيرورة فعل سياسي قابلية استنجاد بفضيلة المساومة بين الأطراف التي تدير القضايا الوطنية. وفي كل شعب يلتمس أن تقضى مصالحه بدرجة معقولة من رفض المساومة؛ لأن المساومة معادلة تصب دائماً في الأجندة الضيقة, وتغيب الأجندة الكبرى في الصخب المتبادل أو أنها تتحلل في الصالونات السرّية التي تحسم بها جداول الربح والخسارة.

        لم يكن النواب على وجه الإجمال وعبر مجالسهم المنتخبة جادين أو راغبين في الدفع نحو المساهمة في بلورة مؤسسة وطنية سياسية، تكون قادرة بالتالي على صياغة حياة سياسية راسخة عوضاً عن حالة التكتلات الموسمية التي تظهر بين فترة وأخرى تحت قبة البرلمان، وتكون في الغالب محكومة بعوامل مرتبطة بالسلطة التنفيذية أكثر من ارتباطها بمصالح الأغلبية الشعبية وقضاياها الملّحة. وقد وجدت الحكومات المتعاقبة أن الأغلبية النيابية تنحصر وظيفتها في حدود استمرار إضفاء الشرعية على الحكومة ومباركة مشاريع القوانين التي تتقدم بها إلى المجلس النيابي. وكانت في الغالب تضمن الفوز في تمرير سياساتها بدون أية مشاكل تذكر. هذا المناخ خلق حالة من الطمأنينة الكاذبة بين الطرفين الحكومة من جهة ومجلس النواب من جهة أخرى, استناداً إلى تاريخ من التواطؤات المتبادلة بينهما في القضايا الساخنة. وعلى رأسها المئات من القوانين المؤقتة التي جرى اقرارها  من نواب الموالاة (المعارضة حالياً).

 

        المفارقة الجديدة اليوم مع حكومة بدران أن الاجندة النيابية تعارضت شكلياً وليس جوهرياً مع الأجندة الحكومية. والحكومة تقول إنها اخطأت او تجاهلت عن غير قصد تمثيل مناطق جغرافية معينة في التشكيل الحكومي، لأن عامل الوقت كان مهماً كما أن الاهتمام كان ينصبّ على وزارات الفريق الاقتصادي الذي سيقود المرحلة القادمة. علماً بأنه قد سبق وأن تجاهلت حكومة فيصل الفايز مناطق جغرافية ورفعت في وجه المعارضين شعاراً قوياَ؛ وهو اعتماد مبدأ الكفاءة. ومع ذلك لم نشهد حركة معارضة نيابية عريضة كما هو الحال في حكومة بدران، والسبب أن حكومة الفايز حملت دلالة عشائرية قبلية بينما حكومة بدران حملت دلالة تكنوقراطية. والسادة النواب ينحدرون إلى قبة البرلمان بواسطة أصوات القاعدة العشائرية أولاً وقبل كل شيء. وبالتالي فهم ليسوا معنيين لا ببلورة مجتمع مدني سياسي أو بناء تقاليد راسخة للمعارضة الوطنية كما هو الحال في كل الديموقراطيات التمثيلية.

         نواب "معارضة الثقة" انطلقوا من أجندة هامشية بالنظر إلى القضايا الوطنية الكبرى, تمحورت حول الغضب من تجاهل الرئيس المكلف لمجلس النّواب في مشاوراته, وأن الحكومة ضمت في صفوفها وزراء ساهموا في (تأزم) العلاقة مع مجلس النواب, وكأن العلاقة في الديموقراطيات الدستورية النيابية يجب أن تكون سمنا وعسلا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وكأن النواب أيضاً لا يتصورون أنفسهم في إطار معارضة وطنية دستورية تشكل دائماً ضرورة لكسر الجمود والرتابة في الحياة السياسية. وبعضهم لديه الرغبة في علاقة مهادنة أو تواطؤ لتنفيذ أجندة مصالح لا تنتهي.

 

        الأجندة الخاطئة التي يتحصن خلفها نواب المعارضة طردت الأجندة الحقيقية التي يعوّل عليها الوطن والشعب. ولم نسمع برنامجا، وليس بياناً قدّمه نواب المعارضة يطرح تصوراً وطنياً لمجمل القضايا الكبرى.

التعليق