تضليل من الألف إلى الياء!

تم نشره في الاثنين 23 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

     في مثل هذا الشهر قبل سبعة وخمسين عاما أعلن "تأسيس دولة إسرائيل" وتضمن هذا الإعلان وثيقة قرأها بن غوريون، الأمين العام للهستدروت ورئيس الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية، ووقع عليها سبع وثلاثون شخصية هم أعضاء "مجلس الأمة" والحكومة المؤقتة القادمة للدولة الجديدة، وحضر الإعلان ممثلون عن "المجتمع اليهودي لأرض إسرائيل" والحركة الصهيونية. وكما هو معروف يفترض في إعلان كهذا أن يكون أقرب للدستور الذي لم يكتب بعد للدولة الجديدة ولهذا يستحق النظر إليه عن كثب.

   يبدأ الإعلان بالقول: "كانت أرض إسرائيل [إريتس يسرائيل] المكان الذي ولد فيه الشعب اليهودي". تختزل هذه الجملة التبرير الأيديولوجي للحركة الصهيونية وهو الادعاء بأن لأتباع الديانة اليهودية اليوم حق تاريخي بفلسطين. وبصرف النظر عن طبيعة العلاقة بين الديانة اليهودية وفلسطين فالمشكلة في التبرير الذي تبنته الوثيقة هو طابعه غير المعقول، فهناك القفزة فوق ألفي عام من التطور التاريخي والحضاري ليس لسكان فلسطين فحسب وإنما أيضا لهؤلاء الذين تركوها. 

   تقول الفقرة الأولى أيضا: "هنا في (أرض إسرائيل) كان للشعب اليهودي كيان دولة، وقام هذا الشعب بخلق قيم حضارية لها أهمية قومية وعالمية، وأعطى العالم سفر الأسفار الأبدي". الغريب هنا استخدام مصطلح "كيان الدولة" (statehood)، فالأمر يكشف أن من وضع نص الإعلان كانت عنده مشكلة مع مصطلح "يهودي" فيما لو طبق على تلك الفترات القديمة. فلا دولة إسرائيل الشمالية ولا يهوذا الجنوبية، اللتان كانتا قائمتين بين القرن التاسع والسادس قبل الميلاد، يمكن تفسيرهما بأنهما كانتا آنذاك "يهوديتين" بالمعنى الديني، وهو بعد لم تكتسبه الكلمة إلا بعد ميلاد المسيح. 

    لا يوضح الإعلان ماذا يقصد بالكلمات العبرية "سفر الأسفار" (في الإنجليزية: Book of Books)، فهل هو العهد القديم، أي التوراة كما يفهمها التراث المسيحي، أو العهد القديم والجديد معا، والأخير يتضمن أيضا الأناجيل الأربعة؟ أم ببساطة ما يسمى بـ "الكتاب المقدس"؟ ومهما كان الأمر فإن هذا لن يعجب الكثير من البشر في أصقاع العالم ممن لديهم ديانتهم الخاصة بهم ويعتزون بها، مثلا مئات الملايين من الهنود، الذين تحتل كتبهم كـ "الباغافاد غيتا" منزلة عالية عندهم ولا يريدون أن يأتي أحد كأي من السبعة وثلاثين شخصا ليقرر أن كتابه هو "كتاب الكتب" وأنه أعطاه إلى العالم. وكيف يمكن لهذه المقولة العنصرية أن تقبل في إعلان يفترض أنه يرسي الأسس الأخلاقية للدولة الناشئة، التي تذكر في الوثيقة بأنها ستقوم على "الحرية والعدالة والسلام" كما تصورها "أنبياء إسرائيل"؟!

   بعد إلغاء ألفي عام من التطور الحضاري في فلسطين والعالم تكمل الوثيقة بالقول: "بعد طرده من أرضه بقي الشعب [اليهودي] متعلقا بها ولم يتوقف أبدا عن الصلاة والأمل للعودة إليها وتجديد حريته السياسية فيها". لا توضح الوثيقة من قام بإبعاد "الشعب اليهودي" عن "أرضه" ولا توضح متى حصل مثل هذا "الإبعاد". التضليل هنا هو أن الوثيقة تتبنى "تبسيطا" مقصودا عندما تستخدم مصطلح "يهود" في حين أن فلسطين في الفترة الواقعة بين القرن السادس قبل الميلاد والقرن الثاني بعده لم تعرف "اليهود" بالمعنى الديني، وإنما "يهوذا" وهو اسم "دولة" أو محافظة رومانية، وسكانها أي "يهوذيون" أو "يهوديون"، وفيما بعد ألغي المصطلح إداريا ليستعاض عنه بـ "بالستينا" أو ببساطة "فلسطين"!

   الطابع الأسطوري للجملة الأولى من الإعلان يعيه واضعوه تماما فالفقرة الثالثة تبدأ بما يلي: "في كل من الأجيال المتعاقبة كافح اليهود من أجل توطين أنفسهم من جديد في موطنهم القديم مدفوعين بهذا الارتباط التاريخي والتقليدي". وأضيفت هنا كلمة "تقليدي" للتخفيف من وطأة قفزة الألفي السنة المريعة، فأن تقول "تقليدي" عن شيء ما يفرغه من تاريخيته. ولكن ما زالت هناك حاجة إلى اللجوء إلى التضليل اللغوي لإنقاذ التبرير الأيديولوجي الأسطوري. فاستخدام كلمة "كافح" لا يعني بالضرورة أن أحدا من اليهود حاول خلال الألفي عام الوصول إلى فلسطين، وبالتالي لم يقم أحد بالادعاء أن هناك تواصلا بين يهود اليوم وأولئك قبل ألفي سنة. غير أن حقيقة الأمر أن هناك جماعات من اليهود جاؤوا إلى فلسطين، ولكن ليس بدافع توطين أنفسهم من جديد في وطنهم القديم، وإنما بسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له في أوروبا، كما حصل في إسبانيا وإيطاليا في القرن السادس عشر. ويكمن التضليل في كلمة "كافح" التي يمكن فهمها على وجهين بدون أن يكون هناك أي التزام بأي منهما أو تحديد ماذا حصل بالفعل، أي إذا جاء أحد إلى فلسطين في تلك الفترة أم لا ولماذا جاء من جاء. 

     "تبسيط" آخر، وهو مقصود أيضا، يتضمنه الافتراض بأن الإبعاد شمل جميع سكان فلسطين وكأن البلاد قد أفرغت بالكامل! وهو أمر غير منطقي ولا يقبله العقل السليم أو المنطق، فمصلحة الآشوريين أو البابليين أو الرومان تنتفي فيما لو أقصيت الفئات المنتجة في المدن والأرياف، كالحرفيين والفلاحين. القول بإبعاد سكان مدينة بمجملهم هو فكرة ساذجة وحمقاء. وعمليا لم يبعد من القدس إلا مجموعة صغيرة من سكانها، وهم من أصحاب النفوذ كالملك وحاشيته والأعيان والكهنة! وبشكل عام لم يتزحزح السكان من مكانهم وبقوا فيه، وهذا يعني أن التواصل التاريخي لا يتجسد إلا في فلسطينيي اليوم وليس في غيرهم. 

     نقرأ في الإعلان أن "حق الشعب اليهودي بانبعاثه في بلده من جديد" أقر به وعد بلفور وأعيد تأكيده في صك الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم. من الصعب جدا فهم كيف يمكن لدولة أن تستمد شرعيتها من رسالة وجهت لأوروبي صهيوني من قبل وزير خارجية دولة قامت باحتلال فلسطين، بعد اقتسام غنائم الدولة العثمانية المقهورة. وكذلك الأمر بالنسبة لعصبة الأمم التي أقرت بصك الانتداب، فأعضاؤها عمليا هم تلك القوى التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى والدول المتحالفة معها، وحتى الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي لم يكونا عضوين فيها، وفي تلك الأثناء كان أكثر من نصف سكان العالم يرزحون تحت وطأة الاستعمار.

   يقول الإعلان إن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 قد دعا إلى تأسيس دولة يهودية على "أرض إسرائيل". وفي الحقيقة أن هذا القرار لم يشر إلى "أرض إسرائيل" وإنما إلى "فلسطين" وذكر أيضا أنه ينبغي تأسيس دولة عربية وهذا ما يلتف عليه الإعلان. إذ حتى لا يقال إن الوثيقة أهملت ذكر "الدولة العربية"، فقد أضيفت في السياق نفسه عبارة تبدو كتكرار لا داعي له: "طالبت الجمعية العامة من سكان أرض إسرائيل أن يقوموا بالخطوات الضرورية لتنفيذ القرار". التضليل هنا هو استخدام مصطلح "سكان" بدلا من مصطلح "الشعب اليهودي" المصطنع الذي تستخدمه الوثيقة بانتظام.

 

    لا يهم كثيرا أن يشير الإعلان إلى هؤلاء الأوائل "الذي جعلوا الصحارى (كذا بالجمع!) تزدهر"، ولا يهم أيضا أن يوصف ما حصل بين التاسع والعشرين من تشرين الثاني العام 1947 حتى تاريخ الإعلان بـ "الهجوم الوحشي الذي شن ضدنا". الأهم من هذا وذاك أن الإعلان يقول إن إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق "الشعب اليهودي" بتأسيس دولته هو نهائي! السرمدية إذن ليست مجرد صفة تلازم الكتب والأسفار فحسب بل أيضا قرارات صادرة عن "الأمم المتحدة" في ... نيويورك!

   الإعلان يستخدم مصطلح "أرض إسرائيل" بالرغم من أن الكيان الذي انبثقت عنه الدولة الجديدة كان اسمه "فلسطين". قد يرى البعض أن هذا الاستخدام قانوني، بالإشارة إلى أن مصطلح "أرض إسرائيل" كان يستخدم أثناء فترة الانتداب التي كانت وثائقها الرسمية تحمل الحرفين العبريين الأولين، الألف والياء، من المصطلح العبري "إريتس يسرائيل" ("أرض إسرائيل"). وكان هذان الحرفان يضافان بشكل أحمق ضمن أقواس بعد عبارة حكومة فلسطين. تحايل شكلي على المضمون وجوهره أن الأرض فلسطينية وسكانها الحقيقيون هم فلسطينيون ولا يمكن أن يكون لاستخدام "أرض إسرائيل" على الورق أي أساس قانوني، حتى لو شرعت ذلك السلطات البريطانية في فلسطين بموجب صك الانتداب الذي اعتمد بدوره على وعد بلفور.

   هذا هو إعلان تأسيس الدولة الذي احتفل به قبل أيام ... تضليل من الألف إلى الياء! 

باحث متخصص بتاريخ الحضارات  

التعليق