ظاهرة إعلاميَّة أردنية جديدة

تم نشره في الاثنين 23 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

     تدور على صفحات الصحف المحليَّة هذه الأيَّام نقاشات على درجة كبيرة من العمق والجديَّة لم تكن مألوفة من قبل لا في الصحافة ولا في الحياة السياسيَّة الرسميَّة. ففي السابق كان يجري تناول سطح الظاهرة السياسيَّة، ويتمّ النظر إلى كلّ تفصيل من تفاصيلها على حدة، أمَّا الظاهرة في عمقها وفي كليَّتها وفي اتِّساعها فلا أحد يقترب منها أو يحاول الإحاطة بها أو يقتفي امتداداتها أو يتقصَّى جذورها. وهو ما يمكن أن ندرجه في إطار ما أسماه مهدي عامل "الفكر اليومي". أمَّا الأسلوب الجديد في التفكير والتناول، فقد جاء مع بعض الكتَّاب الذين يمتلكون ذخيرة ثقافيَّة وفكريَّة جيِّدة ولم تفتح لهم الصحافة المحليَّة صفحاتها إلا في السنوات الأخيرة.

      وبغض النظر عن الاتِّفاق، أو الاختلاف مع الأفكار والاستنتاجات المطروحة، فإنَّ المتابع المدرك لقيمة مثل هذه النقاشات، لا يملك إلا أن يفرح بهذا التطوُّر الملموس، بأمل أن يؤدِّي إلى نقل الحوارات السياسيَّة عموماً إلى مستويات أرفع، وأن يقود إلى الانتهاء من حالة حوار الطرشان(أو ربَّما العميان) التي كانت تدور في أوساط الكتَّاب والمثقَّفين والسياسيّين، لا لسبب سوى أنَّ هؤلاء وأولئك لا يملكون العدَّة المعرفيَّة الضروريَّة المطلوبة، وليس لديهم إلمام بالمصطلحات والمفاهيم السياسيَّة الأساسيَّة. الأمر الذي يجعل كلّ نقاش يدور بين السياسيّين والإعلاميّين المحليّين يحتاج إلى مسلسل من المقالات (على الأقلّ) لإيضاح الالتباسات في المفاهيم والمصطلحات التي وقع فيها المتحاورون، وما ترتَّب على ذلك، بالتالي، من أخطاء في الاستنتاجات والمواقف.

      المشكلة عائدة بشكل أساسي إلى غياب عادة القراءة، الأمر الذي يترتَّب عليه غياب الوعي وغياب التفكير العلمي العميق. وكان الأسلوب الوحيد الشائع في الحياة السياسيَّة والإعلاميَّة المحليَّة هو أسلوب التفاعل العملي مع المشكلات والظواهر. ومعروف أنَّ هذا النوع من المقاربة إذا لم يترافق مع القراءة والتثقيف الدؤوب وعمق الفكر والنظر لا يؤدِّي إلى إدراك عميق وواعٍ للظاهرات وكيفيَّة التعامل معها ومعالجة اختلالاتها. بل يؤدِّي فقط إلى تطوير مهارة خاصَّة في مجال الأحابيل والحيل والمكر الصغير الذي لا يهدف سوى إلى الدفاع عن النفوذ الشخصي بأيِّ ثمن وبأيَّة وسيلة. لذلك فلم يكن غريباً أن تثير هذه الظاهرة الإعلاميَّة الفكريَّة السياسيَّة المثقَّفة العديد من ردود الفعل المرتبكة، وأسوأها طبعاً السخرية من الثقافة والوعي، والدعوة إلى نبذهما والاكتفاء بالخبرة العمليَّة. وفي واقع الأمر فإنَّ هؤلاء الذين اتَّخذوا مثل هذا الموقف السلبي من هذه الظاهرة إنَّما يريدون أن يبقى العمل السياسي والإعلامي محدوداً بمستوى وعيهم وقدراتهم هم فقط.

       ومع أنَّ هذه الظاهرة الجديدة لا تزال محدودة ومقتصرة على بعض الأسماء التي تملك عدَّة ثقافيَّة جيِّدة إلا أنَّها بدأت تترك أثراً ملموساً على مجمل النقاشات السياسيَّة الدائرة، ولم يعد من الممكن تجاهلها، ولا مواجهتها بالثرثرة العاميَّة، أو الإنشائيَّة الفارغة. وأصبح مطلوباً في ضوء هذا أن ترتقي النقاشات إلى مستويات أكثر جديَّة وعمقاً ممَّا كان سائداً في السابق. ولم يعد مقبولاً أن يتباهى أحدٌ بجهله وسطحيَّة تفكيره.

       وفي ظلّ ما يُسمَّى من قبل البعض بالعولمة، أو ما يُسمَّى من قبل البعض الآخر بالأمركة، فقد فُرِضت على الحياة السياسيَّة المحليَّة (في جميع البلدان) مصطلحات ومفاهيم عابرة للحدود والثقافات والجنسيَّات ليس بالإمكان تجاهلها أو مواجهتها بثقافة عاميَّة سطحيَّة دارجة. لذلك فقد أصبحت الحاجة إلى الفكر السياسي العميق والعلمي ملحَّة وضروريَّة. وهي حاجة لم تتمكَّن من تلبيتها المؤسَّسات الأكاديميَّة المحليَّة؛ لانعزالها شبه التام عن مجرى الحياة السياسيَّة الحقيقيَّة، محليّاً وخارجيّا، وانزوائها في دوائر "الفكر" المدرسي الضيَّق والجامد والمفرغ من أيّ مضمون علمي في الواقع، رغم كلّ ادعاءاته العلميَّة.

        على أيَّة حال هذه الظاهرة الجديدة تستحق الترحيب والتشجيع، بغض النظر عن اختلاف زوايا النظر والاستنتاجات والتصوُّرات. فعندما يتطوَّر الوعي ويتطوَّر النظر ويتطوَّر التفكير، يستطيع الفرقاء أن يرتقوا بمستوى حواراتهم ونقاشاتهم وخلافاتهم، بل وصراعاتهم. وكما يقول المثل: عدوٌّ عاقل خيرٌ من صديق جاهل.

E-mail: qubailat@yahoo.com

التعليق