ثقافة الهزيمة والانتصار

تم نشره في الخميس 19 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

تحويل الهزيمة الى انتصار، صناعة عربية فائقة الجودة، وهي ماركة مسجلة باسم الإعلام العربي عموما منذ صوت العرب وتفريخاتها عبر الأثير، وانتهاء بساحات الوغى الفضائية عبر الجزيرة ومنافساتها.

القضية ببساطة تتعلق بثقافات المجتمع التي تشكل بنية العقل الذي يحرك الفعل.

ولأن ثقافتنا على الأغلب، مزيج من الكلام والتاريخ والأساطير المشبعة، فالفعل معدوم.

في حرب حزيران عام 1967، كان أحمد سعيد، يدير هيئة أركان إذاعية وحده، وكان الملايين من المحيط إلى الخليج يستمعون إلى صراخه المشحون بالتأثر حول سير العمليات في "المعركة"، مصحوبا بوعود بلهاء لسمك المتوسط يدعوه فيها إلى وجبة شهية من يهود سيلقيهم العرب المنتصرون في البحر!! وكان الكل طربا لهذا الحديث، ليكتشف بعد ساعات قليلة فقط أن لا معركة في الأساس، وكل ماحدث كان هزيمة فادحة لنا وانتصارا مجانيا "للعدو"، ورغم ذلك بقينا نصفق ونهلل، وندعو للقيادات وجنرالات الثورة بالنصر.

بين الفعل الأمريكي المدروس والمخطط والصوت العربي الأجوف والطنان، مساحة واسعة من الألم والخيبة والمرارة. لدينا جنرالات من كل نوع، جنرالات فضائيات وجنرالات مجالس، وجنرالات بيزنس، وجنرالات تحليل عسكري عبر الأثير، لكن ليس لدينا جنرالات في أرض المعركة! ومع ذلك نواصل الوهم.

"الأمة العربية"، من محيطها  إلى خليجها، ليست كيانات منفصلة بواقع التجزئة الاستعمارية وحسب، بل هي كيانات إقليمية منفصلة بالضرورة الاجتماعية؛ لأن بنية العقل العربي ليست مهيأة، كما لم تكن مهيأة يوما للوصول إلى حالة وحدة حقيقية إلا في قصائد الشعراء، والخطب الحماسية، وفي شعارات ثوار يستيقظون باكرا لفعل "الثورة"!!، وهو الفعل الوحيد في السلوك العربي الذي استخدم الدبابة والسلاح، لكن في الاتجاه الخطأ.

لقد كانت معظم فوهات المدافع العربية موجهة إلى القصر الجمهوري أولا ومبنى الإذاعة ثانيا "لتحرير الشعب" من "الطغمة الفاسدة"، والشعب نفسه منهك من هزائم مريرة، ويترنح من ثورات متعاقبة بلا معنى، فلم يجد الوقت بين الهزيمة والثورة لالتقاط أنفاسه، فيعيد ترتيب ذاته، ويقوم بمراجعة بنيوية العقل لديه، في خطوة أولى لتنمية قدراته وبناء كياناته الاجتماعية بالشكل السوي والسليم، ولذا كان التطور الاجتماعي في المجتمعات العربية مشوها ومبتورا على الدوام.

في العراق، مؤخرا، كانت الصدمة المعتادة التي تشبه ضربة قوية على الرأس، وكان الذهول المعتاد، والذي يعقبه ابتلاع مرير للخيبة والشعور بالهزيمة!! النظام العراقي غير مأسوف عليه عراقيا، وما زال بعض العرب يهتفون له، والاحتلال الأمريكي للعراق مرفوض عراقيا أيضا، وما زلنا لا نفهم المعادلة على بساطتها.

ما زلنا ضحايا لإعلام الفضائيات، ومجالس الإشاعات، ومنتديات التاريخ المحنط في الكتب القديمة، ونرفض فهم العالم من حولنا، ثم نتساءل في النهاية وبسذاجة(لماذا؟؟) الديمقراطية الأميركية ليست حلا سحريا لمشاكلنا، لكن من قال الديمقراطية كفكرة، هي احتكار أميركي فقط؟

الديمقراطية، فكرة وبناء اجتماعي متكامل يتطلب العمل على ترسيخها البدء ببيوتنا وعلاقاتنا الصغيرة، لتمتد طبيعيا بنسيجها الى كيان الدولة والمجتمع معا.

الخروج من متاهتنا الحلزونية يتطلب تفكيرا عميقا في واقعنا بعيدا عن العصبوية والعنتريات التاريخية، ويتطلب منا وقفة وتساؤلا حول ما نريده بالضبط ، ومن ثم نبدأ بالإصلاح الثوري، لكن ليس من فوق دبابة!!

التعليق