تجارب مريرة بدون عِبَر صحيحة

تم نشره في الخميس 19 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

مرَّت منذ مدَّة ذكرى انتهاء الحرب الأميركيَّة على فيتنام. ولعلَّ أبلغ رمز للنهاية المذلَّة لهذه الحرب هو المشهد الذي تناقلته، آنذاك، محطَّات التلفزة ووكالات الأنباء؛ ويصوِّر أميركيّين، بملابس النوم، وهم يتعلَّقون بمروحيَّات تقلع من على سطح السفارة الأميركيَّة في سايغون(هوشي منه) عاصمة فيتنام الجنوبيَّة سابقاً.

أمَّا تاريخ التدخُّل العسكري الأميركي المباشر في فيتنام فقديم؛ وكانت بدايته عام 1946، حيث قصف الأسطول الأميركي السابع هايفونج، دعماً للفرنسيّين الذين احتلوا العاصمة سايغون بُعيد إعلان استقلال فيتنام عن اليابانيّين وتعيين هوشي منه رئيساً لها في 2 أيلول 1945. وظلَّ الدعم الأميركي للاحتلال الفرنسي يتوالى ويتصاعد إلى أن استسلم الفرنسيُّون في معركة ديان بيان فو الشهيرة في 7 أيَّار 1954. ثمَّ عُقد مؤتمر دولي في جنيف لمناقشة "مسألة الهند الصينيَّة"، وكان من ضمن المشاركين في المؤتمر؛ الصين والولايات المتَّحدة وفيتنام ودول المنطقة، وجرى الاتِّفاق على احترام استقلال فيتنام وكمبوديا ولاوس وحظر إرسال قوَّات وموظَّفين عسكريّين إلى هذه البلدان، كما نصَّ الاتِّفاق على إجراء انتخابات عامَّة حرَّة في تموز 1956، تقود إلى توحيد فيتنام. إلا أنَّ الانتخابات لم تجرِ لأنَّ الولايات المتَّحدة رأت أنَّه من الأفضل لها، بدلاً من ذلك، أن تُنصِّب نظاماً موالياً لها في جنوب فيتنام، برئاسة نفو دين دييم. ومذ ذاك تصاعدت حدَّة الصراع في فيتنام، وازداد التورُّط العسكري الأميركي هناك إلى أن بلغ عدد الجنود الأميركيّين عام 1969 (453) ألفا، مزوَّدين بآلاف الطائرات الحربيَّة وأحدث أنواع الأسلحة، بما فيها الأسلحة المحرَّمة التي اُستُخدِمتْ فعليّاً في القتال: كالنابالم والقنابل الفسفوريَّة، والغازات السامَّة، والأسلحة الكيميائيَّة ومبيدات أوراق الشجر والأعشاب. وكان يسند الجنود الأميركيّين "تحالف دولي"، أيضاً، مكوَّن من 50 ألف جندي كوري جنوبي، و12 ألف جندي تايلندي، و8 آلاف أسترالي، وألف نيوزيلندي، وسواهم. هذا بالإضافة إلى الجيش "الفيتنامي" الجنوبي الذي شكَّله الأميركيُّون للحكومة الموالية لهم وبلغ قوامه عام 1972 مليون ومائة ألف جندي. أي أنَّ مجموع القوَّات التي كانت تحارب الفيتناميّين فعليّاً كان يقارب في النهاية المليوني جندي. ومع ذلك لم يتمكَّن هذا الحشد العسكريّ الهائل من تغيير النهاية الطبيعيَّة المحتومة للاحتلال الأميركي، والتي رمز لها بقوَّة وعمق مشهد سطح السفارة الأميركيَّة الشهير.

وما بين مشهد السفارة وبين بداية الحرب، كان قد تمَّ تدمير عدد كبير من القرى والمزارع والغابات الفيتناميَّة وتسميم الكثير من مصادر المياه، إضافة إلى الكثير من أعمال القتل التي ذهب ضحيَّتها مدنيُّون. ولعلَّ أشهر الأمثلة في هذا المجال هي: مذبحة ماي لاي، ومذبحة بيان هوا، ومذبحة ترونغ كان، ومذبحة با لنغ آن. وكانت الحصيلة النهائيَّة لكلّ ذلك هي مقتل أربعة ملايين ونصف المليون من المدنيّين الفيتناميّين بين عامي 1963 و1973، كما قضى في المعارك 930 ألف جندي فيتنامي شمالي و45 ألف جندي أميركي.

غير أنَّ الأميركيّين لا يستفيدون، مع الأسف، من تجاربهم إلا على المستوى التكنيكي العسكري؛ فبعد كلّ مرَّة يخوضون فيها مغامرة عسكريَّة فاشلة يطوِّرون تكنولوجيا عسكريَّة جديدة وأساليب قتال جديدة، تأخذ بعين الاعتبار الصعوبات والعقبات التي واجهتهم في تجارب القتال السابقة. ولكنَّهم لا يهتمُّون بما هو أبعد من ذلك؛ أي بالجانب التاريخي والإنساني والسياسي والاجتماعي، فهذا الجانب موضع تجاهل دائم من قبلهم. أو الأصح أنَّهم ربَّما لا يعلمون أصلاً بوجوده؛ لأنَّه لا يُقاس بالأرقام مهما كانت دقيقة، ولا يمكن الاستدلال عليه بواسطة التكنولوجيا، مهما كانت متطوِّرة، كما أنَّه من غير الممكن معالجة آثاره وتأثيراته بالمال مهما كان متوفِّراً. لذلك فطوال القرنين اللذين أعقبا استقلال الولايات المتَّحدة، خاضت الكثير الكثير من أعمال الحرب المأساويَّة في مختلف أنحاء العالم، ولا تزال، وكلّ تجربة صعبة تقود إلى أخرى أصعب منها.

التعليق