د.باسم الطويسي

جائزة نوبل لإنقاذ البتراء

تم نشره في الثلاثاء 17 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

 كانت المناطق المجاورة لمدينة البتراء، وحتى مطلع التسعينات، تمتاز بنظام طبيعي لتصريف مياه الأمطار والسيول، يتكون من مجموعة  الأودية والمسارب، التي كانت تحمي مدينة البتراء في اغلب الأوقات من خطر أمطار الشتاء المفاجئة. إلا أن توسع الأنشطة السياحية، وزيادة حركة العمران والإنشاءات في ضوء غياب التخطيط ورقابة الأجهزة المعنية، عملت جميعها على تدمير هذا النظام وإزالته.

لقد شيدت أبنية حكومية في مواقع كانت تشكل جزءا من نظام تصريف المياه، وهذا ما يفسر تكرر مداهمة مياه السيول للمدينة الأثرية مرات عديدة خلال التسعينات وبعدها. وعلى الرغم من المحاولات التي أجريت لتغيير مسار حركة السيول، إلا أنها لم تقدم بعد الحل المجدي، والدليل على فشلها، استمرار تدفق الأمطار عبر بوابة المدينة الأثرية مع كل مطر قوي.

يرتبط بهذا الأمر فشل العديد من المشاريع التي نفذت باسم ترميم وحماية آثار البتراء، واهمها مشروع "إعادة تأهيل نظام الري في البتراء"، الذي نفذ في نهاية التسعينات بتمويل أجنبي من قبل مقاول محلي، وهو المشروع الذي اعتراه الكثير من الأخطاء، واسهم في تدمير مواقع أثرية بأكملها، حينما حول سيق المدينة الى ورشة عمل للجرافات والآليات الثقيلة، حيث ضاع ما ضاع، وتم  تخريب وتحطيم الكثير من التحف واللقى الأثرية؛ لعل أهمها تخريب اللوحة الحجرية الضخمة، قافلة الجمال، في عرض السيق، حينما نهشتها احدى الجرافات. كذلك فشل مشروع إعادة تأهيل المصادر الزراعية حول البتراء، الذي جاء نتيجة توصيات علمية تقول بان انحسار الغطاء النباتي حول البتراء اسهم في مضاعفة تأثير الظروف البيئية المؤدية إلى تسريع عمليات الحت والتعرية للصخور، إلا أن المشروع، الذي انفق فيه اكثر من مليون ونصف المليون دينار، لم يحقق إضافةَ، ولو متر واحد، للغطاء النباتي في المنطقة. أما المشروع الثالث، وهو مركز صيانة وترميم آثار البتراء، الذي تم تمويله من قبل وكالة الإنماء الدولي الألمانية، وهو مبنى ضخم وأنيق أقيم بالقرب من بوابة الآثار، وفوق بركة نبطية، وليس هذا الأمر المهم، بل إن الأمر المحزن هو أن الألمان قاموا بتمويل تشييد المبنى وتجهيزه بالمعدات، وقاموا بتشغيله فترة من الزمن، لكن منذ تسليمه لدائرة الاثار قبل خمس سنوات، ما زال المركز بدون كوادر، وبدون خطة عمل، ولم يقدم ما يذكر، وسجل فشلا ذريعا آخر.

وضعت مدينة البتراء منذ عام 1985 ضمن قائمة اليونسكو لمواقع التراث الإنساني، ومنذ ذلك التاريخ عقدت عدة ورش عمل، عنيت بترميم وحماية آثار البتراء. وتم في عام 1992 تأسيس اللجنة الوطنية لحماية البتراء (NTC) في المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، وقامت جمعيات غير حكومية أعلنت برامج في هذا المجال، إلا أن جميع هذه الجهود لم تأت بانعكاسات حقيقية، بحيث توقف تدهور أحوال الآثار والبيئة التراثية. ويرجع ذلك الى جملة من الأسباب، أهمها غياب الرؤية،  ونتائج نمط الإدارة عن بعد، والتي كانت تدير الموقع من مكاتبها في عمان، وضعف التمويل، وعدم القدرة على توطين كفاءات وطنية في مجال حماية وترميم الآثار.

لقد أوفدت الجامعات الأردنية عشرات المبعوثين الى الغرب لإكمال دراساتهم العليا في مجال الآثار، لكنها لم تفلح في إيفاد، ولو شخص واحد ليتخصص في ترميم آثار البتراء، بمعنى انه لا يوجد لدينا أطروحة علمية في هذا المجال. وربما السبب الآخر يبدو في عدم قدرة الجهات الرسمية على تنظيم علاقة السكان المحليين مع المواقع الأثرية.

إن مناسبة انعقاد مؤتمر الحاصلين على جائزة نوبل هنا في البتراء تدعو الى طرح مبادرة إطلاق صندوق وطني لإنقاذ وحماية آثار البتراء، وتشكيل مجلس وطني لهذه الغاية، وطرح برامج علمية تدرس الحت والتعرية، وكيمياء وجيولوجيا صخور البتراء، وإدارة المياه وتصريف مياه الأمطار، وأخطار مياه الصرف الصحي والسيول والنشاطات الإنسانية، وتأثير الحيوانات والتصحر، وتطوير البنية التحتية، والحفاظ على التنوع الحيوي، وإيجاد الحلول للمشاكل المرتبطة بكل محور من تلك المحاور.

لقد آن الوقت لمراجعة جدية لإدارة هذه المدينة، ولطرق وآليات التعامل مع التراث الوطني والإنساني الذي تحتضنه. اننا بحاجة ماسة لخطة وطنية، مدعومة دوليا، لأعمال الإنقاذ والحماية، وألا فإن أحفادنا سيقرؤون أرشيف الدولة الأردنية الذي يتحدث عن مدينة غابرة،  تآكلت ودمرت، كان اسمها البتراء.

المدخل الاخر الذي آن الوقت للالتفات اليه، يتمثل في تعظيم دور الصناعة الثقافية المبدعة في التنمية الوطنية. فعلى الرغم من الضجيج الدائر محليا حول استثمارات شبه فاشلة في البتراء، الا ان هذه الاستثمارات، وحجم النشاط التنموي المصاحب لها، مازالا متواضعين جدا مقارنة مع ما تملكه هذه المدينة من عناصر جذب فريدة ومتنوعة، ومن طلب سياحي كامن لم يختبر بشكل جدي في مختلف انحاء العالم.

ان البتراء تشكل بدون شك، عمق الاردن الحضاري، وجانبا هاما من مضمون مزيج الهوية التاريخية، وهي بذلك اكبر من قصة السياحة، على أهميتها. وقد آن الأوان ان تأخذ مكانتها التي تليق بها، واقلها ان تعلن عاصمة ثقافية وطنية، وان تحظى بما يليق بمكانتها في التاريخ.

التعليق