توني بلير بين "الطريق الثالث" والتحالف مع أميركا

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

 

 

    سجل رئيس الوزراء البريطاني نصراً حاسماً في الانتخابات البريطانية، ليسجل لأول مرة فترة عمالية ثالثة في الحكومات البريطانية. وقد عزا العديد من المراقبين فوزه إلى دعم الفقراء له اثر سياسته الضرائبية، وسياسة رفع دخول ذوي الدخل المنخفض منذ توليه السلطة، على الرغم من المعارضة الشديدة التي كان يلقاها من اليساريين والمعارضين لسياسته الخارجية  -خاصة لحرب العراق- ومن أنصار البيئة البريطانيين.

    وبلير اعتبر ممثلاً لما يعرف بنظرية الطريق الثالث، والتي ابتدعها عالم الاجتماع البريطاني "أنتوني جيدنز"، خاصة بعد أن أنهي الرئيس الأميركي "كلنتون" فترتيه الرئاسيتين، ولكن أخذ على بلير داخليا وخارجيا تماهيه مع المشروع الأميريكي.

     فعلى المستوى الداخلي، كان من المعروف أن حزب العمال البريطاني هو حزب وسطي في أصل نشأته؛ يجمع بين الأفكار الاشتراكية والديمقراطية، فالحزب الذي أنشئ في القرن التاسع عشر وريث ما يعرف بالمدرسة «الفابية» التي كانت تؤمن بالتحول إلى الاشتراكية عبر البرلمان لا العنف كما كانت تدعو الماركسية الثورية.

    وقد جاء بلير إلى رأس الحزب وهو يعاني أزمة إذ كان غائبا عن الحكم منذ حكم تاتشر وجون ميجور، وكان حكم هذين المحافظين أزمة لحزب العمال، لذا بدأ بلير أولى سياسته في تحويل حزب العمال إلى حزب شعبي سنة 1997، ووصل عدد الأعضاء إلى 40 ألف شخص، واستطاع بلير أن يقود حزب العمال لتحقيق نصر في الانتخابات العامة، واعتبر من أكبر انتصارات الحزب حيث فاز بأغلبية المقاعد في مجلس العموم سنتي 1997 و2001.

    أقر توني بلير سياسة جديدة غيرت مجرى الحزب وأقر دستورا جديدا له شكل «حزب عمال جدد»، واستند هذا الدستور أو المانفيستو إلى تأمين 100 ألف وظيفة، وصفوف أقل عدد في المدارس الابتدائية، واستثمار أكبر في قطاع التأمين الصحي. ومع أن سياسته، التي حققت نجاحا، كانت متطابقة مع أيديولوجية «الطريق الثالث»، وجعْلِ حزبه شعبيا، إلا أنه واقعيا كان يسوِّق النموذج الأمريكي داخل الحزب باسم الطريق الثالث، فشهد حزب العمال تغيرا في نخبه ليعبر عوضا عن العمال برجال المال والأعمال.

    ويصف أحد الكتاب البريطانيين: «لم تعد طرقات بلاك هول تزخر بعمال المناجم في سترات العمل (الأفرهول) بل ازدحمت برجال الأعمال الكبار، وكبار المحامين، واستشاريين إداريين، وكل منهم يرتدي سترات الاحتفالات الرسمية ويحمل هاتفه النقال. وغدت أبرز الشخصيات القريبة من توني بلير من أغنى أغنياء بريطانيا، والنخبة الاقتصادية من أرقى درجات السلم الاجتماعي، أصحاب ومديري البنوك والمؤسسات الصناعية والمالية الكبرى».

     وبذات السياق وعلى المستوى الدولي، برز توني بلير منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 كحليف أبرز للولايات المتحدة، حيث أيد الموقف الأمريكي المصر على ضرب أفغانستان وظهر بصورة شريك بوش في حربه ضد طالبان وأسامة بن لادن، ومن ثم في الحرب على العراق، حين واصل تنفيذ سياسة مطابقة للسياسة الأمريكية فيما يتعلق بقضية الحصار على العراق، والتفتيش على أسلحته، والإبقاء على منطقتي الحظر الجوي شمالي العراق وجنوبه، ومن ثم غزوه.

    وطرح بلير مبدأ جديدا في السياسة الدولية عرف بمبدأ «المجتمع الدولي» ويدعو فيه إلى وضع السياسة الخارجية والسياسة الداخلية في فضاءين منفصلين والاهتمام بالصراعات وانتهاكات حقوق الإنسان، وذلك على النقيض من المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي ترى أن السياستين الداخلية والخارجية لا انفصال بينهما، وأن لا أخلاق في السياسة. إلا أن بلير طرح مبدأه من منطلق أخلاقي فدعا إلى نوع من الثورة في العلاقات الدولية على نقيض السياسة البراجماتية فكان تصوره «لنظام عالمي جديد يجمع بين التشدد التاتشري، والقيم الأخلاقية البروتستانتية»، على حد تعبير مجلة النيوزويك، التي وصفته بـ"القائد التبشيري".

    سياسة بلير هذه، دفعت إلى توجيه النقد الشديد له، فكتبت إحدى الصحف البريطانية: «بدلا من التنقل هنا وهناك محاولا إصلاح العالم حاول إصلاح الخدمات العامة المتداعية في بريطانيا، التي تعد الأسوأ في أوروبا الغربية». كما كتبت إحدى الصحف الصفراء البريطانية قائلة: «مطلوب: توني بلير المفقود عمليا من المنزل منذ 11 سبتمبر ويعتقد أنه متجه إلى الولايات المتحدة ثانية، الرجاء إبلاغ الرأي العام البريطاني عنه».

    هذه النماذج كانت تعبيرا عن تماهي بلير في النظرة الأمريكية وهو ما بات يظهر أن رؤيته لطريق ثالث باتت موضع شك، فهو إن طرح مبدأه بسياسة أخلاقية إلا أن زيف ادعاءات وجود الأسلحة النووية في العراق، ووحشية الحرب فيها، واتباعه السياسة الأمريكية أظهر أنه لا يطبق طريقا ثالثا في سياسته بل سياسة أمريكية معولمة.

    وحتى على مستوى القضايا الإنسانية العالمية انتقدت الصحف البريطانية أداء بلير وقالت الإندبندنت إنه فشل في فهم جوهر القيادة، وذلك إثر ضرب أمواج تسونامي بداية سنة 2005. فمع أن حكومته كانت نشطة للغاية في مساعدة ضحايا الحادث إلا أن بلير لم يقطع إجازته في مصر وعاد إلى بلاده كما فعل قادة آخرون فوصف بالرجل الغارق في الملذات.

    وعلى ذلك، ورغم نجاحه في الانتخابات، فإن بلير ما زال يواجه مطالبات بالتنحي، من قبل زملاء له في حزب العمال، ذلك أنهم يتهمونه بأنه أفقدهم دوائر أساسية في الانتخابات الأخيرة ولم يحقق الأغلبية المرجوة للحزب، والأهم من هذا كله أن بريطانيا سترأس الاتحاد الأوروبي لدورتها القادمة، مما يضع بلير في محك تاريخي، بأوروبا رافضة للهيمنة الأميركية الاحادية القطبية، مما يوجب أداء مختلفاً من حكومته، كما أن عليه مواجهة اعباء المعارضة الداخلية لسياسته الخارجية وضرورة اهتمامها بالمصالح البريطانية دون دمجها بالسياسة الأميركية، إلا أن خصوم بلير الآن فاقدون لأهم ورقة ضغط عليه وهي الانتخابات، فهل تتغير السياسة البريطانية؟

[email protected]

التعليق