جائزة نوبل لإنقاذ البتراء ( 1-2)

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

    يمثل مؤتمر البتراء للحاصلين على جائزة نوبل واحدا من أهم الأحداث في التاريخ المعاصر لهذه المدينة العريقة حيث تعد فكرة التقاء نخبة من أهم علماء وأدباء العالم الحاصلين على ارفع تقدير وتكريم عالمي في مدينة فريدة ونادرة وواحدة من أميز مدن التراث الإنساني تكريما متبادلا تكرم فيه المدينة العريقة بوجود هذه النخبة في أول مرة تلتقي بشكل جماعي وتكرم فيه النخبة ذاتها حينما تلتقي في هذا المكان العريق، فضلا عن كون هذه الفكرة أداة من أدوات الصناعة الثقافية ذات المضمون التنموي والتي تعتمد عادة على توليد الأفكار المبدعة، القائمة على الاستثمار الأمثل في الموارد الثقافية، وتمثل رأس المال الثقافي لأي مجتمع، ويقصد بها الموارد الثقافية الدائمة التي تحتاج الى الرعاية والمحافظة عليها أي استدامتها وضمان استمراريتها للأجيال القادمة.

    وفي أجواء انعقاد هذا المؤتمر تبرز أهمية التذكير بما تتعرض له آثار مدينة البتراء من تدهور واعمال تخريب وتدمير بفعل الطبيعة والبشر معاً، مما يعني بأن هذه المدينة التراثية معرضة لزوال الكثير من معالمها ومواقعها خلال ربع القرن القادم إذا ما بقيت الأمور كما هي عليه الآن، الأمر الذي يتطلب وفي أجواء هذا الحدث الدعوة لإطلاق مبادرة وطنية ذات بعد دولي تدعو لإنقاذ آثار مدينة البتراء عن طريق استثمار هذا الحضور الإنساني والإعلامي لإنشاء صندوق لهذه الغاية الى جانب إنشاء مجلس وطني أعلى لحماية الآثار.

     منذ الربع الأول للقرن العشرين الماضي ومنذ استقبلت المدينة أول فوج سياحي في عام 1930 ومنذ ان نفذت أول حفرية أثرية في عام 1929 ومنذ أن اكتشف السكان المحليون حجم المصالح المرتبطة بهذا الموقع دون وجود أدنى رؤية تخطيطية لمستقبل هذا المكان على مدى العقود الماضية ازداد تدهور أحوال المواقع الأثرية في طول المدينة وعرضها بأفعال مقصودة وأخرى غير مقصودة، وتفاقم الأمر واخذ منحنى أكثر خطورة خلال العقدين الماضيين ، حيث شهدت السياحة والتنمية المحلية ازدهارا واسعا مع ازدياد تدهور الظروف البيئية وغياب رؤية وطنية جامعة وحريصة على حماية الآثار ومنع الاعتداء عليها، وعلى الرغم من ظهور اطر مؤسسية محلية وفي مقدمتها سلطة إقليم البتراء ومحمية آثار البتراء إلا أنها ما زالت أشكالا للادارة المحلية فارغة من المضمون الحقيقي تتنازع على الصلاحيات والسلطات فيما بينها دون أن يكون لها التأثير الواضح في حماية المدينة او حتى الترويج لها.

    إن خطورة ما تتعرض له مدينة البتراء يبدو في السرعة الكبيرة لتأثيرات عوامل التدهور التي تتعرض لها الآثار، من المعروف أن طبيعة التكوين الجيولوجي لمدينة البتراء تساعد على ذلك، فهي من الصخور الرملية اللينة، فالآثار المنحوتة في الصخر تتعرض للعديد من عوامل الحت والتعرية التي تضعف من تماسكها، وتبدأ عملية التآكل ببطء شديد إلا أنها سرعان ما تصل الى ذروتها بتسارع مضاعف فتصبح الآثار أقل تماسكا وأكثر عرضة للخراب والتحطيم في حالة تعرضها للعوامل البشرية او لخطر مفاجئ مثل مياه السيول او الهزات الأرضية الخفيفة او حتى مرور الآليات الثقيلة. الى جانب هذا الخطر تبدو العوامل البشرية التي يتورط فيها تحديدا السكان المحليون خطرا آخر لا يقل أهمية عن غيره، تمنح الحكومات والسلطات الرسمية تصاريح واذونات أشغال لإنشاءات باسم السياحة في مواقع أثرية هامة هناك مطاعم رخص لها مدت قواعدها في المقابر النبطية وهناك منشآت أخرى في منطقة البيضا (البتراء الصغيرة) دشنت على واجهات لنقوش نبطية نادرة، يجري اليوم ومنذ سنوات عمليات تفتيت وتحطيم لصخور البتراء الملونة النادرة ومن مواقع منتخبة يعز وجود مثيل لها من اجل بيعها في زجاجات رملية ملونة، وبعد تخلص المدينة ولو جزئيا من زحام الخيول، قامت العبقرية الرسمية بالتدريج بالسماح لجموع غفيرة من الحمير بالاستخدام كرواحل داخل المواقع الأثرية خذ على سبيل المثال حالة واحدة لحجم التخريب والتدمير الذي تسببه هذه الدواب وهو ما يتعرض له المدرج النبطي؛ المدرج والمسرح الأثري الوحيد في العالم المنحوت في الصخر، لقد عملت حوافر الدواب على تهشيم وتحطيم الكثير من درجاته واصبحت اليوم معظم ملامحه غير واضحة ,وقس على ذلك عمليات التخريب التي تعرضت لها مواقع مثل الواجهات المعمارية ومعبد قصر البنت والطريق الاثري المؤدي الى الدير وغيره الكثير.

    ان مفهوم الاستدامة في ادارة المواقع التراثية يعد في المحصلة مفهوما تنمويا في الاساس, ولا يمكن تصور صناعة سياحية حقيقية دون الالتفات الجدي لحماية المواقع التراثية , لا ان تتحول هذه المواقع  الى سلعة رخيصة للاستهلاك اليومي حينما تعمل السياحة على تدمير نفسها بنفسها حسب وصف منظمة السياحة الدولية , وتزداد خطورة الموقف حينما تتعامل جهات متعددة مع واقع المدينة وظروفها من مصالح ضيقة وآنية مع غياب الرؤية الشمولية لواقع المدينة ومستقبلها .

  basimtwissi@hotmail.com

التعليق