البرنامج الوطني للثقافة المجتمعية

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

     تسعى وزارة الثقافة من خلال الورشة الممتدة التي عقدت يوم السبت الماضي والدارسة التي قدمت فيها للدكتورة سهير التل إلى صياغة برنامج وطني للثقافة المجتمعية تهدف إلى الوصول إلى ثقافة مجتمعية للأردن تعكس الاحتياجات الإصلاحية والتنموية والتحولات الكبرى الجارية في العالم والأردن بالطبع والتي تغير من أدوار وطبيعة أدوار المجتمع والدولة، وتنشئ أيضا دورا جديدا متناميا وواسعا للثقافة في العملية الإصلاحية والتنموية والتي لم تعد اكتشافا نخبويا أو نضاليا، ولكنها تحولت إلى موجة مجتمعية عالمية لا تستثني مجتمعا أو بلدا في العالم.

      ثمة إدراك واضح لدى وزارة الثقافة بأن الثقافة المجتمعية مطلب يعكس تنامي دور ومسؤولية المجتمع ليكون شريكا رئيسا وفي بعض الأحيان بديلا للدولة، وهي حالة لا تنتظرنا ولا نملك خيارا تجاهها، كما أن تجاهلها ونسيانها سيضعنا بعد سنوات قليلة أمام استحقاقات وتحديات كبيرة جدا قد تعصف بكثير من المنجزات التنموية والإصلاحية.

       ويبدو لي أن ثمة تحديات رئيسة عاجلة وفرصا جديدة أيضا، فقد تحولت الثقافة في مرحلة المعرفة إلى غاية ومتطلبات أساسية ترافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتؤول إليها أيضا مدخلات التنمية والنشاط باعتبارها الوعاء المنظم لآليات التراكم والاستيعاب والإبداع في مجمل المرحلة المعرفية التي تمر بها المجتمعات والحضارات.

والمطلوب على وجه السرعة من الحكومة بعامة ووزارة الثقافة بخاصة إجراء عملية استيعاب طويلة ودؤوبة ومعقدة وصبورة مع المجتمعات المحلية والقطاعية والمهنية بالتنسيق مع مراكز الدراسات والمدارس والبلديات ومؤسسات المجتمع المدني لصياغة تصور عملي لكل بلدة/ مدينة/ مجتمعات قطاعية ومهنية وسكانية يساعدها على أن تقوم بدور بديل/ شريك رئيسي للحكومة في ميادين الثقافة والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم المجتمعي والمستمر وإدارة الاحتياجات والأولويات الأساسية.

       فنحن سنواجه بعد سنوات قليلة حالة تكون فيها قد انتهت مؤسسات التقاعد والتأمين الصحي الحكومي لتحل مكانها مؤسسة الضمان الاجتماعي، وسيكون لدينا عدد كبير من كبار السن (ربما نصف مليون) لا يتمتعون بتأمين صحي وتقاعد، ولا يمكن الركون إلى حالة التكافل الاجتماعي والأسري لتغطية وإدارة احتياجات كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وفي ظل تغير دور الحكومة فإن المجتمعات ستواجه تحديا كبيرا في تأمين ورعاية هذه الفئات، ولا نحتاج إلى سنوات عدة لنكتشف هذه الحالة، فهي قادمة حتما، وسيكون مفيدا البدء في تأهيل المجتمعات المحلية لتكون البلديات بعد عشر سنوات على الأكثر قادرة على أن تكون بديلا مناسبا أو شريكا رئيسا لوزارات ومؤسسات الثقافة والتنمية الاجتماعية والصحة والتعليم، وهذا يقتضي بالطبع ثقافة مجتمعية مؤسسية ومنظمة ومؤهلة.

       ويمتلك المجتمع خيرات ثقافية واجتماعية راسخة تصلح لصياغة رؤية جمالية ثقافية ينبثق عنها برنامج وأداء ثقافي جمالي ينشئ قواعد وإنجازات سلوكية واضحة وعملية في السلوك واللياقة والعادات والتقاليد والعمارة والطعام واللباس والنظافة والمرور والعلاقات والبيئة والموارد، وتصلح ثقافة فردية ومجتمعية وسلوكية، وتقدم في قواعد وأدلة في مستويات مختلفة يتداولها الناشئة والبالغون، وتنعكس على الحياة اليومية والمهن والحرف، وتطور الذائقة الجمالية والمهنية في متطلبات الحياة اليومية التي تجعلها أكثر راحة واستجابة لمتطلبات التغيير والتطور.

      هل يحق لنا أن نحلم بإعادة الاعتبار للبرامج والأنشطة الثقافية والإبداعية والفنية وتنظيمها وفق قواعد مؤسسية ومجتمعية وتنافسية؟ وهل يمكن تحويلها إلى أداء ينعكس في الحياة اليومية؟ هذا هو التحدي والمطلوب ببساطة ووضوح؟

       العمل الثقافي لم يعد نشاطا نخبويا وخاصا، ولكنه يجب أن يتحول إلى مكون أساسي في المهن والحرف والسلوك والطعام والعمارة واللباس والسياسة والاقتصاد، وهذا ليس اقتراحا، ولكنه متطلب أساسي لمرحلة المعرفة وعصر المجتمعات، ولا نملك تجاهله لأنه بدون ذلك لا يمكن الدخول في المرحلة المعرفية بنجاح، وقد تكون هذه الفكرة جدلية أو ليست واضحة اليوم، ولكنها بعد فترة وجيزة ستكون بديهية جمعية مشتركة.

التعليق