معضلة بلير الأوروبية

تم نشره في السبت 14 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

تمكن توني بلير من إحراز النصر الانتخابي الثالث له على التوالي. لكن الأغلبية المؤيدة له  انخفضت بشدة في مجلس العموم، علاوة على سمعته الشخصية التي تعرضت للأذى، ما يؤكد على ضعف موقفه السياسي إلى حد خطير. ولسوف يجد نفسه نتيجة لهذا في وضع سيئ لا يسمح له بالتعامل مع التحديات الماثلة أمامه، والتي سيكون أكثرها عناداً واستعصاءً على الحل الدستور الجديد للاتحاد الأوروبي.

إن الدستور الذي أقرته الدول الأعضاء الخمس والعشرين في العام الماضي لا يشكل في حد ذاته أهمية كبيرة. فهو يُـدْخِل بعض التحسينات المهمة على عملية التصويت بالأغلبية في مجلس الوزراء، كما يمنح البرلمان الأوروبي بعض السلطات والصلاحيات الإضافية. كما يتضمن وثيقة الحقوق الأساسية، وقد يساعد على التوفيق بين السياسات الخارجية للدول الأعضاء. لكنه في النهاية لا يشكل وثيقة ثورية.

طبقاً للممارسة الدستورية المعتادة في بريطانيا، فمن المتوقع أن تصدق الحكومة على هذا الدستور من خلال اقتراع يجرى في مجلس العموم؛ وحتى يحين موعد الانتخابات العامة الجديدة فلابد وأن تكون الأغلبية الحكومية العظمى أكثر من كافية. لكن بلير وقد أحاط به الجدال من كل جانب بشأن الحرب غير الشعبية بل وربما غير الشرعية في العراق، تصور أنه يستطيع أن يتجنب المتاعب في وستمينستر عن طريق تأجيل التصديق على الدستور حتى عام 2006 (وهو وقت طويل إلى حد مريح)، واقتراح التصديق عليه من خلال الاستفتاء الشعبي.

ولكن مما يدعو للأسف، وكما تؤكد الشواهد، فهو استفتاء لن يفوز به بلير، وذلك لأن كافة استطلاعات الرأي تؤكد وجود أغلبية ضخمة وثابتة تعارض الدستور الأوروبي.

قد يحدو حكومة بلير الأمل في الإنقاذ بمساعدة أحداث خارجية. فمن المقرر أن تُـجْـري فرنسا استفتاءً شعبياً على الدستور في نهاية هذا الشهر، ويبدو أن البريطانيين يتصورون أن الرفض الفرنسي للدستور قد يخلصهم من ورطتهم. ذلك أن التوقعات العامة تشير إلى أن رفض فرنسا للدستور يعني الحكم عليه بالموت، وإذا ما حدث ذلك فلن تكون هناك ضرورة للاستفتاء.

إذا كانت هذه هي حسابات بلير فهو مخطئ. فضلاً عن ذلك فهذا هو نفس الخطأ الذي يصر البريطانيون على ارتكابه في إطار علاقاتهم بأوروبا طيلة نصف القرن الماضي.

تؤكد بعض استطلاعات الرأي الفرنسية الأخيرة أن الأغلبية أصبحت الآن تؤيد الدستور. ولكن حتى إذا ما صوت الفرنسيون بالرفض فإن هذا لن يحل المشكلة البريطانية؛ بل إنه على العكس من ذلك سيعجل بحدوث أزمة سياسية كبرى في فرنسا وكافة أنحاء أوروبا فيما يتصل بمستقبل الاتحاد الأوروبي. ذلك النوع من الأزمات الذي أمضى البريطانيون نصف قرن من الزمان في محاولات لتجنبه. فماذا قد يحدث إذا ما مات الدستور حقاً؟

لن يهتم أي من الأعضاء الكبار في الاتحاد بوجهات نظر بريطانيا فيما يتصل بالإجابة عن هذا السؤال. حين وصل توني بلير إلى السلطة بعد انتصار ساحق في عام 1997 فقد لاقى ترحيباً واسعاً في كل أنحاء أوروبا باعتباره رئيس الوزراء البريطاني الأكثر تأييداً لأوروبا منذ إدوارد هيث قبل ربع قرن من الزمان. فهو يتحدث اللغة الفرنسية ويتعامل بسلاسة ويسر مع جيران بريطانيا في الناحية الأخرى من القناة؛ وفي المقام الأول من الأهمية فقد بدا متعاطفاً مع عملية توحيد أوروبا. ولكن بعد مرور ثمانية أعوام أصبحت أوروبا تدرك الحقيقة على نحو أكثر وضوحاً.

لقد بات الآن من الواضح في نظر الجميع أن بلير يعارض على نحو جوهري فكرة التكامل الأوروبي أو الوحدة الأوروبية على المستوى السياسي. فهو لم يمنع بريطانيا من الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة طيلة السنوات الأربع الماضية فحسب، بل لقد أعلن بوضوح أثناء حملته الانتخابية أنه لا يتوقع أن تنضم المملكة المتحدة إلى اليورو أثناء الخمس سنوات القادمة أيضاً.

من حين إلى آخر يلجأ بلير إلى مغازلة فكرة تحقيق المزيد من التعاون الأوروبي فيما يتصل بالسياسة الخارجية والدفاع. لكن الأعوام الثلاثة الماضية أثبتت من خلال الممارسة العملية أنه يفضل التبعية والخضوع لسياسة الحرب التي ينتهجها الرئيس بوش بدلاً من الانخراط في أي شكل من أشكال الوحدة مع أوروبا. وباختصار نستطيع أن نقول إن بلير لا يقل عن أيٍ من أسلافه معارضة ومناهضة للمشروع الأوروبي.

من بين الاختلافات الجوهرية القائمة بين فرنسا وبريطانيا أن أغلب أفراد التيار السائد من النخبة السياسية في فرنسا كانوا منذ أمد بعيد يؤيدون فكرة الوحدة الأوروبية. وإذا ما صوت جمهور الناخبين الفرنسي بالرفض فإن هذا الرفض لن يكون من قبيل معارضة الدستور الأوروبي بقدر ما سيكون احتجاجاً على الرئيس جاك شيراك، أو تعبيراً عن القلق بشأن ما تحمله فكرة توسع الاتحاد الأوروبي نحو وسط أوروبا من معانٍ ضمنية.

وفي المقابل، فإن بلير لن يستطيع تحقيق الفوز في استفتاء على الدستور، ليس فقط لأنه يلقى معارضة من المؤسسة الصحافية الشعبية بالكامل، ولكن أيضاً لأنه لم يسبق له هو أو أيٍ من زعماء السياسة الكبار في بريطانيا أن نطق بكلمة طيبة بشأن التكامل الأوروبي.

إن الأزمة التي قد يثيرها التصويت الفرنسي بالرفض فيما يتصل بتوجه الاتحاد في المستقبل قد تظل قائمة لبعض الوقت. ولكن إذا ما كان البريطانيون يتصورون أن الدستور سوف يموت فحسب، وبموته تنتهي الأزمة، فإنهم يخادعون أنفسهم.

فالحقيقة على العكس من هذا، حيث سيجدون أنفسهم وقد انهمكوا في مناقشات عنيفة بشأن الأهداف المراد تحقيقها من الوحدة، مثلهم في ذلك كمثل بقية أوروبا. وحينئذٍ سيجدون أنفسهم وقد اضطروا إلى القيام باختيارات واضحة وعلى الملأ بشأن تصورهم لأوروبا التي يريدونها، وهذا من شأنه أن يضعهم في نزاع وخلاف مع جيرانهم.

وختاماً، فمن المرجح أن تبادر فرنسا والدول الأعضاء الكبرى الأخرى إلى استكشاف السبل البديلة للعمل نحو أوروبا الأكثر تكاملاً. وإن الآلية المؤسسية الأكثر قبولاً من حيث الظاهر والأصلح لإيجاد هذا السبيل البديل للتحرك نحو الأمام سوف تتمثل في ذلك التجمع القائم المكون من الدول الأعضاء التي أعربت عن رغبتها في الانتماء إلى أوروبا أكثر اتحاداً من خلال الانضمام أو السعي إلى الانضمام إلى منطقة اليورو. وإذا ما قوبل الدستور بالرفض، فإن البريطانيين الذين اختاروا البقاء خارج ذلك التجمع قد يكتشفون أنهم قد ألقوا بأنفسهم بكامل إرادتهم في دائرة خارجية أكثر انعزالاً عن أوروبا.

التعليق