قراءة في "بيان إلى الأمة"

تم نشره في الأربعاء 11 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

 صدر "بيان إلى الأمة" عن المؤتمر القومي العربي السادس عشر، المنعقد في الجزائر، 6-9 نيسان 2005. وقد تحدّث البيان عن كون الدورة السادسة عشرة للمؤتمر "جاءت بمثابة إضافة نوعية إلى الدورات السابقة"، موضحا أن المؤتمر استعرض "كافة القضايا والتحديات التي تواجه الأمة، وفي مقدمتها القضايا الفلسطينية والعراقية والسودانية واللبنانية والسورية". كما أكد البيان على أن "المشروع الأمريكي-الصهيوني المتربّص بالأمة العربية، هو المصدر الرئيسي لكل التهديدات والمخاطر التي تواجه الأمة العربية"، وشدّد على أنه "لا مجال للمساومة بأي حال من الأحوال مع هذا العدو، وأن المقاومة والصمود والنضال المستمر بكافة الوسائل الممكنة هي طريق النصر، الذي لا بديل له ولا تراجع عنه"، وخلص البيان إلى التأكيد بأن "الهجمة الأميركية/ الإسرائيلية الشرسة على الأمة العربية لن تزيد المؤتمر إلا ثقة في تمسكه بثوابت الأمة العربية، في التصدي والمقاومة والنهوض".

حوى البيان أفكاراً، وعبّر عن مواقف هي محل إجماع تقريباً، لدى المواطن العربي، من المحيط إلى الخليج، وفيها الكثير مما يستحق الإعجاب والتقدير، وما يحاول استنهاض الهمم، وإخراج المواطن العربي من حالة الانكسار العام المسيطرة. لكن البيان، في جوانب كثيرة، ردّد الأفكار والمواقف نفسها التي دأب على ترديدها منذ ستة عشر عاماً، فجاء الخطاب هو نفس الخطاب، كما الأدوات تقريباً، في الوقت الذي شهد فيه عالمنا العربي، والعالم من حولنا كذلك، ما يمكن أن نعدّه أكثر من "تسونامي"، اجتاح منطقتنا في المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، خلال العقد الأخير من القرن الفائت، ونصف العقد الذي مرّ منذ عبرنا بوابة القرن الحادي والعشرين. و كان مؤمّلاً أن ينعكس ذلك تجديداً في الخطاب الفكري والسياسي للبيان، لئلا يأتي تقليدياً في ظرف غير تقليدي.

فكرة المؤتمر جاءت ترجمة لتلاقٍ طال انتظاره بين القوى العروبية والإسلامية، وكان المأمول كبيراً من توافق هذه القوى الهامة، لكن التجربة المرّة توحي بغير ذلك. فقد تحوّل المؤتمر إلى منتدى خطابي جديد، عجز عن خلق حالة فكرية وسياسية قادرة على مواجهة التحديات التي تعصف ببني يعرب.

والبيان الذي يخاطب "القوى الحيّة" في الأمة، لا يلتفت إلى غياب صوت مكونات أساسية في هذه القوى، ولا يتنبّه إلى عدم تمثيل أقطار عربية هامة وكثيرة في أعمال المؤتمر، إضافة إلى ظاهرة غياب القيادات التاريخية له عن المشاركة في هذه الدورة، التي وصفها البيان "بأنها جاءت بمثابة إضافة نوعية الدورات السابقة"!

البيان لم يقدّم وقفة مراجعة لفكرة المؤتمر وإنجازاته، ولم يقدّم عرضاً تحليلياً لحال الأمة الراهن، كما لم يقدم رؤية تستشرف المستقبل. والمسكوت عنه في البيان كثير. فلا نجد ذكراً لإحدى أهم المشكلات التي تواجه العالم العربي اليوم، وهي مشكلة الأقليات. ولا حديث عن المشاكل الحدودية، العربية –العربية والعربية مع دول الجوار. ولا ذكر لمأساة قطر عربي هو الصومال. إضافة إلى التعامي عن مشكلة الصحراء المغربية، والتغاضي التام عن إدانة أعمال العنف الأعمى، والإرهاب المدان، الذي يجتاح أنحاء مختلفة من العالم العربي. أضف إلى ذلك التجاهل التام لتقرير التنمية الإنسانية العربية!

لقد تحدث البيان، على سبيل المثال، بتفاؤل غير مبرّر تجاه ما أسماه اتفاقية السّلام في جنوب السودان، ومرّ مرور الكرام على جرح نازف في دارفور، مكتفياً بحديث كلاسيكي حول مؤامرات القوى المعادية، ورفض القرار 1593، وإجراء محاكمات محلية لمن يثبت تورطه في جرائم ضد الإنسانية.

ويلاحظ أن البيان يمارس ديبلوماسية الصمت حيال قضايا عربية ساخنة، مجاملة لهذه الدولة العربية أو تلك، لكنه في الحالة الفلسطينية، يمارس شكلاً من أشكال الوصاية والوعظ! إذ يؤكد "بأن إرادة المقاومة والصمود هي العامل الحاسم في الصراع"، ويشدّد "على مواصلة انتفاضة الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة بجميع صورها وأشكالها، بما في ذلك الكفاح المسلح"، ويحذّر "من تحويل التهدئة التي تمّ التوافق عليها إلى هدنة دائمة"!

ويعجب المرء لدرجة القدرة على التحليق بعيداً عن الواقع، عندما يأمل البيان بإمكانية "تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وتطبيق ما جاء في نصوصها، للتصدي لأي تدخل عسكري أجنبي في لبنان أو سورية"! وعلى ذكر "التصدي"، فلطالما تردّدت هذه المفردة كثيراً في البيان، لكن دون أن نعرف كيف؟ فبدت غامضة، على غرار ترديد عبارات أشد غموضاً من قبيل "المشروع  الحضاري النهضوي العربي"، أو "القوى الحيّة"!

لاشك أن البيان اشتمل على أفكار ومواقف جدّ هامة ومفيدة، ولعل أهمية البيان تكمن في تذكيرنا بحجم الكوارث التي أصابت الأمة، حتى بات التشبث ببقاء -مجرد بقاء- الجامعة العربية يعدّ شيئاً يستحق النضال من أجله!

التعليق