إبراهيم غرايبة

"الشرف" ثقافة بالغة القدم

تم نشره في الأربعاء 11 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

    تعتزم الشرطة الإسرائيلية التحقيق مع كبير حاخامات اليهود الشرقيين في إسرائيل، شلومو عمار، الذي يعد من أكثر الرجال نفوذا في إسرائيل، لأن ابنه مائير، (30) عاما، استدرج صديق شقيقته إيالا من تل أبيب، ثم خطفه إلى قرية قلنسوة "العربية"، وضربه ومزق قلنسوته إمعانا في إذلاله، لأنه أساء إلى شرف العائلة. وينظر القضاء الأردني في قضية قتل، قام بها شاب مسيحي (نشأ في الولايات المتحدة وعاد إلى الأردن) بحق رجل تحرش بزوجته.

     "ثقافة الشرف" والدفاع عن سمعة العائلة وقيمتها، قيمة عربية بالغة القدم، تسبق ظهور الديانة اليهودية والمسيحية (وهما ديانتان عربيتان). ويتيح تجمع اليهود في إسرائيل ملاحظة الفروق الجوهرية بينهم حسب أصولهم المكانية، ويمكن معرفة العرب، والدول العربية التي ينتمون إليها تحديدا، بملاحظة التشابه الكبير، إلى درجة التطابق، بينهم وبين العرب غير اليهود. وبالمناسبة، فإن عقوبة الرجم كانت معتمدة قبل الإسلام، بدليل مقولة المسيح عليه السلام الشهيرة "من كان بلا خطيئة فليرمها بحجر". ولم يغير الدين في هذه الثقافة، وإن ساهم في تهذيبها. فلم تنجح المسيحية، التي تتشدد في مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة، كما الإسلام وربما أكثر، في تغيير المسيحيين الغربيين وتعديل اتجاهاتهم وتقافتهم "العائلية" الراسخة أيضا، في التحلل من قيود العائلة وقيمها قبل المسيحية بقرون سحيقة. ولم يكن ثمة فرق بين العرب المسلمين والمسيحيين واليهود في تقاليد وثقافة العائلة والشرف، ولم يغير الإسلام والمسيحية في اتجاهات وعادات الأفارقة وثقافتهم، وعدل كل من الفقه المسيحي والإسلامي في أفريقيا قواعد خاصة بالأفارقة، تسمح للرجال أن يتزوجوا من مئات النساء.

ويذكر ابن فضل الله العمري (وهو من عائلة العمري في شمال الأردن)، أنه في رحلته إلى مالي في القرن الرابع عشر الميلادي، زار أحد القضاة والعلماء المعروفين في الشرق بالعلم والفضل، وراعه عندما زاره في بيته كثرة النساء حوله (لا تدري أيهن صديقته وأيهن زوجته!). وعندما زار ابن بطوطة "المالديف" في رحلته المشهورة، وكانت تحكمها امرأة، أقام فيها ثمانية عشر شهرا، وتزوج من إحدى نساء الجزيرة، وكانت زوجته هي المرأة الوحيدة التي تلبس الحجاب، ولا تخالط الرجال، جريا على عادة العرب، التي لم تكن مفهومة لدى المالديفيين المسلمين.

     لا تختلف القوانين والتشريعات الأردنية عن الفرنسية في النظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، في حدود حرياتها وتجريمها، ولكن ذلك لم يجعل من الأردنيين مثل الفرنسيين، وربما يكون عدم تجريم "الزنا" أحد أسباب جرائم الشرف في الأردن والبلاد العربية. فالتشريعات والقوانين يجب أن تعكس بدرجة عالية الثقافة والتقاليد الراسخة والمتبعة، وتغيير هذه الثقافة لا يكون بمصادمتها، ولكن بتهذيبها والعمل على تعديلها.

     يعتقد بعض الباحثين أن القتل على خلفية قضايا الشرف ليست ثقافة أردنية ولا عربية، وأنها تسربت في مرحلة تداخل الثقافات والشعوب، فهي مصرية أفريقية، وهي أيضا مازالت راسخة ومتبعة على نحو مريع في شبه القارة الهندية، وأن الثقافة الأردنية تعالج المسألة وفق تقاليد وقواعد متبعة، ليس القتل من بينها. وأن المجتمع الأردني كان أكثر انفتاحا وتساهلا من الوضع الراهن، بدليل الأغاني الشعبية، وتقاليد العمل، والأعراس، والحصاد، والتي تبدو اليوم مستهجنة في انفتاحها.

    وقد يشجع على هذه المقولة ملاحظة العلاقة شبه الدائمة بين جرائم "الشرف" والعلاقة غير السوية مع المكان والمجتمع المحيط، فالحراك الثقافي والاجتماعي تنشئهما علاقة صحية وطبيعية للناس مع المكان، وحين تختل معادلة التفاعل بين الناس والمكان يكون النمو عشوائيا. والفوضى والخلل والصدمة والعشوائية، الممكن ملاحظتها في الشوارع والأسواق والمنازل والعمائر، يمكن تعميمها بلا تحفظ على عشوائية النمو الاجتماعي والثقافي. فالمدن التي أنشأتها فلسفة ما للمكان (النهر والماء والموارد والحماية والطرق والأودية والجبال والمناخ، ..) تفقد مبررات وجودها، وتتحول إلى كيان آخر غير المدن عندما تلغي علاقتها هذه مع المكان أو تتحداها، وتتحول مجتمعاتها أيضا إلى شيء آخر يشبه تجمعا عشوائيا في شاحنة عابرة.

التعليق